تشغيل الوضع الليلي

من اسئلتكم

منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 5441

السؤال:
أيهما أفضل الإمام الحسن أم الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليهما)؟

الجواب:
هو تساؤل يطرح من البعض ولعله هو أحد ظلامات الإمام الحسن (صلوات الله وسلامه عليه) وذلك لأن التاريخ وإن كان يحكي عن حياة هذا الإمام المظلوم المسموم لكن في الحقيقة هي قطرة من بحر عميق تلاطمت أمواجه وغرقت الأوراق والكلمات في قاعه حتى تلاشت ولم يذكر عن جواهره ونفائسه إلا اليسير جداً.
قد يكون منشأ هذا التساؤل هو كون الأئمة من ذرية الإمام الحسين لا الحسن عليهما أفضل صلوات الله وسلامه.
وللإجابة على هذا التساؤل نناقش الموضوع من خلال عدة نقاط:
النقطة الأولى: هل إن مسألة الأفضلية هي حقيقة موجودة؟
للجواب على هذا السؤال نرجع الى كنزنا الوافر: القرآن الكريم ونتصفح آياته فنجد قوله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)(1)
نجد ان الله تعالى قد فضّل بني آدم وكرّمهم على سائر مخلوقاته، بل وأكثر من هذا فإن الله تعالى قد جعل هناك أفضلية بين البشر أنفسهم فقد قال عز من قائل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(2)
فجعل الله تعالى تفاضلاً بين البشر وجعل المقياس هي التقوى، وأيضاً جعل الله تعالى تفاضلاً بين أنبيائه ورسله وهذه سنة الله في خلقه فهو أمر واقع لا يمكن لأي عاقل ان يرفضه.

النقطة الثانية: يمكننا معالجة هذا السؤال المتقدم من خلال محورين:
المحور الأول: المحور العقائدي
فإنه إذا رجعنا الى مسألة الإمامة والتي هي أصل من أصول الدين لدى الشيعة الإمامية, نجد أنها مسألة تنصيب إلهي حالها كحال النبوة, فإذا كانت كذلك فليس لأحدٍ يد فيها حتى وإن كان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) فهي أمر مختص بالله تعالى, وحيث إن الله تعالى حكيم وكل أفعاله حكيمة فهو لا يسأل عما يفعل, وهذا ما أُستفيد من رواية للإمام الرضا صلوات الله وسلامه عليه, عن محمد بن أبي يعقوب البلخي قال سألت أبي محمد الرضا صلوات الله وسلامه عليه فقلت له (لأي علة صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن عليهما السلام؟ فقال الإمام الرضا عليه السلام: لأن الله عز وجل جعلها في ولد الحسين ولم يجعلها في ولد الحسن والله لا يسأل عما يفعل) (3).
ومن هنا يتضح إن هذا السؤال في الأصل هو سؤال غير منهجي، ولكن لو تنزلنا وكان السؤال ممن لا يعتقد بكون مسألة الإمامة هي مسألة تنصيب إلهي حينئذٍ ننتقل الى المحور الثاني:
المحور الثاني: جواب خطابي وروائي.
إن هذا التساؤل قد طرح على أئمتنا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وكالعادة إنهم لم يردوا سائلاً حتى يرووا عطشه بينابيع علومهم, فقد جاء في الرواية عن هشام بن سالم قال: قلت للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: الحسن أفضل أم الحسين؟
فقال: الحسن أفضل من الحسين.
قال: قلت: فكيف صارت الإمامة من بعد الحسين في عقبه دون ولد الحسن؟
فقال: إن الله تبارك وتعالى أحب أن يجعل سنة موسى وهارون جارية في الحسن والحسين عليهما السلام، ألا ترى أنهما كانا شريكين في النبوة كما كان الحسن والحسين شريكين في الإمامة وإن الله عز وجل جعل النبوة في ولد هارون ولم يجعلها في ولد موسى وإن كان موسى أفضل من هارون عليهما السلام (4).
وهنا إشارتان:
الأولى: قد ورد في بعض الروايات الشريفة أن مسألة جعل الأئمة من ذرية الإمام الحسين عليه السلام هي مسألة تعويض للإمام الحسين عليه السلام على ما قدمه في سبيل الله عز وجل, فقد ورد عن محمد بن مسلم قال (سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمد عليهما السلام يقولان: إن الله تعالى عوض الحسين عليه السلام من قتله أن جعل الإمامة من ذريته والشفاء في تربته وإجابة الدعاء عند قبره ولا تعد أيام زائريه جائياً وراجعاً من عمره)(5).
الثانية: قد يتبادر الى الذهن أن مسألة الأفضلية هي مسألة تراتبية بين الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم من الإمام علي عليه السلام فإنه أفضل الأئمة ومن بعده يأتي الإمام الحسن فالحسين فعلي بن الحسين صلوات الله وسلامه عليهم وهكذا حتى نصل الى الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه فيكون أقلهم مرتبة في الأفضلية.
في حين أن هناك روايات عديدة بيّنت بأن الإمام المهدي هو أفضل من الأئمة السابقين له, ومن أجل أن نزيل هذه الضبابية عن هذه المسألة ليس لنا إلا الرجوع الى روايات أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم لنجد أنه روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (... واختار من الحسين الأوصياء، يمنعون عن التنزيل تحريف الضالّين وانتحال المبطلين وتأول الجاهلين، تاسعهم باطنهم ظاهرهم قائمهم وهو أفضلهم (6)، فهذه الرواية صرَّحت بأنَّ التاسع من ولد الإمام الحسين (عليه السلام) هو أفضل أُولئك التسعة.
والحمد لله رب العالمين

(1) سورة الإسراء آية(70)
(2) سورة الحجرات آية (13)
(3) علل الشرائع للشيخ الصدوق/ج1/ص208
(4) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق/ص416,417
(5) بحار الأنوار للمجلسي/ج44/ص221/ح1
(6) من كتاب شذرات مهدوية للشيخ حسين الأسدي/الشذرة الثالثة/ نقله عن المحتضر/277

يامهدي أدركني

اخترنا لكم

نشاطاتٌ رمضانية للمرأة الشيعية (٧)

بقلم: علوية الحسيني شراءُ ملابسِ العيد قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم و(َتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) (1). إنّ شراء ملابس العيد بات أمرًا عرفيًّا، والإسلام يدعو إلى التجمّل، إلاّ أنّ بعض النساء أصبحنَ ما بين إفراطٍ وتفريط في شراء تلك الملابس. فيا اختاه: إن رُمتِ الشراء فلابد من مراعاة ضوابط لها أسس قرآنية، وأخرى روائية. فالإسراف في كل شيء مذموم، فإن أسرفتِ في شراء ملابس بأغلى الأثمان، وعملتِ على تجديد الشراء كلما صادفتكِ مناسبة لهو الإسراف بعينه. نعم، وأمّا بنعمة ربّك فحدِّث، لكن لا على شكلٍ يؤثر على اقتصاد منزلكِ، فالزوج وإن كان من واجبه الإنفاق عليكِ إلاّ أنّ للنفقةِ حدودًا، وكذا الأب، بل وكذا نفسكِ إن كنتِ ممن تكفلّت بالنفقة عليها، قال تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين}(2). وهناك أمور لابد من مراعاتها عند شرائكِ لملابس العيد، منها: 1/الأنسب أن تداومي على ذكر الله تعالى، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "إذا دخلت سوقك فقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها، اللهم إني أعوذ بك من أن أظلم أو اُظلم، أو أبغي أو يبغى علي، أو أعتدي أو يعتدى عليّ، اللهم إني أعوذ بك من شر إبليس وجنوده، وشر فسقة العرب والعجم، وحسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم" (3). 2/إذا كنتِ تريدين ارتداء الثوب الذي سوف تشترينه للظهور به أمام الأجانب، "فالمعتبر في حجاب المرأة ستر ما يجب ستره عن الرجال الأجانب بحيث لا يبرز مفاتن جسدكِ لهم، والعباءة خير ثوبٍ ساترٍ لكِ، فإذا كان غير العباءة يفي بهذا الغرض فلا بأس به، لكن مع ذلك فسماحة السيّد المرجع يحبذ للمرأة المسلمة أن تختار العباءة كلباسٍ دائمٍ، فمن بابٍ أولى ترجيح التحبيذ أيام العيد" (4). 3/أن لا يكون ذهابكِ للسوق بمفردك، ويتحتم عليكِ عدم خلق المشاكل فيما لو نُهيتِ عن الذهاب في الوقت الذي تم تحديده من قبلكِ، فعاقبة تأجيلكِ الموعد لحين تفرّغ من تذهبين معه من المحارم أقل تأثيرًا عليكِ فيما لو غامرتِ ودخلت السوق بمفردك. فإن غامرتِ فالله الله في الحشمة القولية والفعلية، فلا خضوع في القول، ولا تميّع في الفعل. 4/خروجكِ للسوق لابد أن يكون بلباس الحشمة والوقار، بعيدًا عن التزيّن مهما استساغه العرف، وبعيدًا عن التعطر المقصود، والبنطال الذي يُقصد منه إظهاره تزينًا، والكعب العالي. 5/احذري بل وتجنبي قدر المستطاع التعامل مع البائعين من الرجال؛ إذ قد يجر الكلام به إلى أن يشخص ما يليق بكِ كقياسٍ من الملابس، وهذا هتكٌ لحرمتكِ أيّتها المبجلة، ولهذا الأفضل لكِ اصطحاب أحد المحارم معكِ ليتولى عملية الشراء؛ فالإسلام يوجب على الجميع معاملة المرأة معاملة الأميرة القارورة الريحانة، فاكتنزي دوركِ. 7/إذا كان الثوب الذي تودين شراءه مخالفًا لذوق زوجكِ، ويترتب عليه نفوره منكِ فيما لو ارتديتِه، فالشرع يأمركِ بطاعة الزوج، والأنسب أن يكون الاتفاق بينكما هو سيّد كلّ موقف. 8/إذا كنتِ تريدين شراء ثوبٍ تظهرين به أمام أخواتكِ المؤمنات وصاحباتكِ فالأنسب أن تراعي الحداثة والمظهر واللائقية، بشرط أن لا يخرج عن حدِّ الحشمة والوقار، ويكون بعيدًا عن الشهرة، أو التشبه بالرجال أو بالكفار. 9/إذا صادفتكِ حالات تتطلب منكِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبادري بنصح اختكِ في الله، واعطيها العذر في عدم انتباهها على حجابها الذي يحتاج إلى تستر؛ واحمليها على سبعين محملٍ، إذ لعلّ شدّة الزحام، أو تمسكها بأطفالها، أو عدم مبالاتها غير المقصودة أدت بها إلى أن تصل إلى حالةٍ تستوجب نصحٍ من اختٍ لها أمثالكِ. وكثيرةٌ هذه الحالات لاسيما مع قرب أيّام العيد. 10/إذا اشتريتِ ما ناسبكِ ذوقًا، فيستحب أن تكبِّري الله تعالى ثلاث مرات؛ روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "إذا اشتريت شيئا من متاع أو غيره فكبر ثم قل: اللهم إني اشتريته ألتمس فيه من فضلك، فصل على محمد وآل محمد، واجعل لي فيه فضلا اللهم إني اشتريته ألتمس فيه من رزقك، فاجعل لى فيه رزقا، ثم أعد كل واحدة ثلاث مرات" (5). ________________ (1) فاطر: 12. (2) الأنعام: 141. (3) وسائل الشيعة: للشيخ الحر العاملي، ج17، ب18 باب استحباب الدعاء بالمأثور عند دخول السوق، ح2. (4) الحكم وفق فتوى سماحة السيّد السيستاني دام ظله. (5) وسائل الشيعة: للشيخ الحر العاملي، ج17، ب20 استحباب التكبير ثلاثا عند الشراء، ح1. ألبسنا الله تعالى وإيّاكنّ في جنته من الاستبرق والحرير، والياقوت والمرجان، إنّه هو السميع المنّان.

المناسبات الدينية
منذ 6 سنوات
2390

ذكرى

هنالك ذكريات تُرغم أفئدتنا على البهجة دون اختيارنا، نشعر بمرورها شعوراً أسطورياً، كمَن مرّت عليه الذكرى المائة لانتصاره على وحشٍ كاسرٍ لا يُهزم، كان قد مرّغ أنفه في التراب بضربةٍ واحدة وهو يقف في منتصف الميدان منتشياً بهتافات المشجعين.. ذلك لأننا حققنا فيها انتصاراً أيضاً على أعتى وحشٍ يمكن أن يقابله الإنسان في حياته، وحش نفسه الأمّارة بالسوء. ذكرى دخولك وتخرجك من الجامعة مثلاً وأنت على حالك لم تغيّرك كل الأجواء المشحونة بالخطأ.. أو لعلّها غيّرتك الى الأفضل فيكون انتصارك مضاعفاً؛ إذ إن هناك من لا يحتمل أن يكون كما الآخرين، مذنباً أو حتى صالحاً متقاعساً، بل أن طموحاته هي أن يبلغ الأفضل فيفتّش في كومة الرذيلة بحثاً عن الفضيلة مدّخراً إياها لنفسه، صاعداً بها سلالم الرقي بعيداً عن المتشابهين. ذكرى إطلاقك أول كلمة، أول مشروع، في الدعوة الى الله تعالى، أو الدفاع عن مقدساتك أو إشاعة الخير؛ فهذا زمن اللامبالاة، زمن قول: (نفسي ثم نفسي ثم نفسي)، زمن التسفيه لمن يحتضن مبدأه ويذود عنه، لمن يتأبط مشاكل أبناء جلدته ويجول دروباً موحشة ودهاليز رطبة طلباً لفكّ عقدها، لكنك شعرت بالمسؤولية وحملتها فوق منكبيك غير مبالٍ إلا برسالتك. ذكرى عقد قرانك أو زواجك وأنت ظفرت بشريكٍ كما تريد ويريد دينك رابحاً بأكبر التجارات التي يمكن أن تتعامل بها، لم يؤثر فيك المجتمع بكافة شرائحه، الذي يسعى إلى أن يحظى بفكك السفلي ليضغط عليه بقوة ويصب في فمك خمرة تعاليمه حتى يفقدك عقلك فتتخبط باحثاً عن مؤهلات المال والجمال والحسب والنسب دون الدين والأخلاق، فتخسر سعادتك وتربية أبنائك، لكنك قاومته ولم ترزخ تحت وطأته. هذه أمثلة، لذكريات تستحق الاحتفال، ولكلٍّ منا انتصار مختلف له ذكرى مبهجة. زهراء حسام

اخرى
منذ 7 سنوات
1926

ضياءٌ وإحياء مِن كلمات ربِّ السّماء(٦) الجزء الثاني رؤية الله (تعالى)

بقلم: علوية الحسيني ■النقطة الخامسة: التفاتةٌ تنزيهية حول الرؤية القلبية: إنَّ الرؤية القلبية لا تعني إحاطة القلب بالله (تعالى)؛ بل تعني شعور العبد أنّه محاط، مُهيمَن عليه، من قبل ربٍّ هو أقرب إليه من حبل الوريد. فليس معنى الرؤية القلبية أنّ العبد هو الذي يُسلط علمه على الله (تعالى) فيعرفه، كما لو سُلِّطت إنارة على شيءٍ مُظلم فأنارته، فيُصبح الشيء مقهورًا ومُضطرًا لأن يُعرَف ويُحاط به. بل جُلّ ما نستطيع قوله إنَّ المعرفة القلبية تأتي من قبل الله (تعالى) نفسه، ويكون العبد هو المقهور والمُضطر لتقبّل تلك المعرفة بمشيئة الله الواحد القهّار، فتصل القلوب إلى معدن عظمة الله (سبحانه). فالاستدلال وإن كان إنيًّا ــ أيّ استدلال بالمعلول على العلة ــ، إلاّ أنه لا يلزم منه احتياج الله الغني لمخلوقاته – قلوب العباد – لأجل أنْ تدلُّ عليه، بل هو (سبحانه) في كتابه الكريم علّمنا هذا الاستدلال في آيات عديدة، فلا يشكل. وعليه، فيكون تجلّي معرفته في قلوب عباده بأمرٍ منه وإرادة، والعظمة له (سبحانه)، لا للقلب الذي حوى تلك المعرفة، ولا للمعرفة نفسها قياسًا بجلالته (جلّ وعلا). ويؤيد ذلك ما جاء في المأثور عن سادة التوحيد في المناجاة الشعبانية: "اِلـهي هَبْ لي كَمالَ الانْقِطاعِ اِلَيْكَ، وَاَنِرْ اَبْصارَ قُلُوبِنا بِضِياءِ نَظَرِها اِلَيْكَ، حَتّى تَخْرِقَ اَبْصارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ فَتَصِلَ اِلى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ، وَتَصيرَ اَرْواحُنا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِك"(14). فالعبارات معطوفة بعضها على بعض، ونستظهر منها أنّ للقلوب أبصاراً –وهي الرؤية القلبية-، وأنّ نتاجها هو الوصول إلى معدن العظمة، وهو خلو القلب من أيّ متعلق سوى الله (سبحانه)، فيتجلى (تعالى) بالمعرفة في قلب عبده، وهذا من قبيل ما جاء في الحديث: "إنّ لي عبادًا من عبادي، يُحِبونني وأُحِبُهم، ويشتاقون إليّ وأشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم ...، أقلّ ما أُعطيهم ثلاثًا: -الأول: أقذفُ من نوري فـي قـلوبهم فيُخبرون عنّي كما أخبر عنهم. -والثاني: لو كانت السماوات والأرضون وما فيهما في مـوازيـنهم لاستقللتها لهم. -والثالث: أقبلُ بوجهي عليهم، أ فتُرى مَن أقبلتُ بوجهي عليه يعلم أحدٌ ما أريد أنْ أعطيه؟"(15). والإقبال من الله (تعالى) على عباده هو تجلّي المعرفة لهم؛ لتنزهه (سبحانه) عن الجسمية ولوازمها –كالرؤية، واللقاء، وثبوت الوجه، وحلوله في مكان، وما شابه ذلك-. ولا يظُننَّ القارئ أنّ التجلّي هو التجلّي الذاتي، بل هو المعرفي؛ فالتجلّي مخلوقٌ، وهو فعل من أفعال الله (تعالى)، بدليل قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقا}(16)، فقبل أنْ يطلب النبي موسى (عليه السلام) رؤية الله (سبحانه) كما طلب منه قومه ذلك، لم يكن هناك تجلٍ، فالتجلي غير الذات؛ فما تجلّى للكليم (عليه السلام) هو نورٌ وصوتٌ مخلوقان، سلّط الله (تعالى) النور على الجبل فصعقَ موسى منه، وخلقَ الصوت في شجرة فكلّم موسى. وجاء في بعض الروايات أنَّ ذلك النور هو نور أحد الملائكة الكروبيين؛ كما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): "إنَّ الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الأول جعلهم الله خلف العرش، لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم، ثم قال: إن موسى (عليه السلام) لما سأل ربه ما سأل، أمر واحدًا من الكروبيين تجلى للجبل فجعله دكا"(17)، والرواية وإنْ كانت مرسلة إلاّ أنّها تعضد الدليل العقلي الذي ينفي تجسيم الله (تعالى). وقد ذكر العلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) أنّ لتجلي الله (تعالى) مصاديق متعددة، وجميع المصاديق لا توجب تجلي الله (تعالى) بذاته؛ حيث قال: "مُحصل الرواية أنَّ تجليه (سبحانه) يقبل الوسائط كما أنَّ سائر الأمور المنسوبة إليه (تعالى) كالتوفي والإحياء والرزق والوحي وغيرها يقبل الوسائط فهو (تعالى) يتجلى بالوسائط كما يتوفى بملك الموت، ويحيي بصاحب الصور، ويرزق بميكائيل، ويوحي بجبرئيل الروح الأمين"(18) فما أحد الكروبيين، وعزرائيل، واسرافيل، وميكائيل، وجبرائيل، إلاّ وسائط تُفيض علينا أمر الله (جلّ جلاله)، وهي مظهر تجلّي الله (تعالى) دون إثبات التجسيم له (سبحانه). ونجدُ في روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تصريحًا بصحة الرؤية القلبية، والظاهر) منها زيادة اليقين بظهور عظمة الله تعالى وقدرته، منها: عن يعقوب بن إسحاق، قال: "كتبتُ إلى أبي محمد الحسن العسكري، (عليه السلام) أسأله كيف يعبد ربه وهو لا يراه؟ فوقع (عليه السلام): يا أبا يوسف جلَّ سيدي ومولاي والمنعم علي وعلى آبائي أن يُرى، قال: وسألته هل رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ربه؟ فوقع (عليه السلام): إن الله (تبارك وتعالى) أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحب"(19). نلاحظ هنا أنَّ الحديث لم يقل إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) رأى بقلبه دون علم الله العلاّم، بل الحديث يقول إنَّه (تعالى) أرى رسوله، فالمُحاط هو الرسول (صلى الله عليه وآله)، والقاهر، والمُحيط هو الله (تعالت قدرته). وتكريم الرسول (صلى الله عليه وآله) بحصةٍ من الرؤية القلبية لا يعني انقلاب حاله من مُحاط به إلى مُحيط؛ لتنزّه المُحيط أن يُحاط به، كما أنَّ التجلّي ــ كما تقدّم ــ معرفيٌّ، وليس ذاتيًا ليوجب الإحاطة من المُحاط بالمُحيط. ■النقطة السادسة: العقل والقلب مصبان للرؤية القلبية: إنّ الرؤية العقلية كالرؤية القلبية؛ بلحاظ اشتراكهما في أنّهما لا يؤديان إلى اكتناه ذات الله (تعالى)، بل هما تجلٍ من تجليات الحق (سبحانه)، لا تشوبهما شائبة الوهم والإحاطة كلّما كان العبد مستكملًا، ولا مصداق للعبد المستكمل سوى نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله) - وآله (عليهم السلام). وقد روي "عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قُلْتُ لابِي الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلام) رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) أَنَّهُ قَالَ إِنَّ عِلْمَنَا غَابِرٌ وَمَزْبُورٌ وَنَكْتٌ فِي الْقُلُوبِ وَنَقْرٌ فِي الاسْمَاعِ فَقَالَ أَمَّا الْغَابِرُ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِلْمِنَا وَأَمَّا الْمَزْبُورُ فَمَا يَأْتِينَا وَأَمَّا النَّكْتُ فِي الْقُلُوبِ فَإِلْهَامٌ وَأَمَّا النَّقْرُ فِي الاسْمَاعِ فَأَمْرُ الْمَلَك"(26) فالنكت في القلوب هو تجلٍ معرفيٍ قلبي، أثره هو رؤية الله تعالى قلبيًا، والعلم لازمه الرؤية القلبية، فتحققت. وقد وصفهم سيد الموحدين (عليه السلام) بقوله: "واعلم أنَّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، الاِقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علمًا، وسمى تركهم التعمق فيما لم يُكلفهم البحث عن كنهه رسوخا"(27)، فبعض التجلي المعرفي لم ينكت في قلوبهم، لاختصاص الله العليم العزيز به، فتركوا التعمق في ما لم يكونوا مكلفين بالبحث عن كنه ذات الله سبحانه. وكذلك يشترك العقل مع القلب في أنّ لهما دوراً في معرفة الله (تعالى) معرفةً لا توجب الإحاطة، فللعقل دورٌ في الرؤية العقلية، يقول سيد الموحدين (عليه السلام): "وإنّ العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار، ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته"(28). وفي بيان دلالةِ القلب على معرفة الله (تعالى)، جاء في المأثور: "اللّهم... أوصلت إلى قلوب المؤمنين من معرفتك ما آنسها من وحشة الفكر ووسوسة الصدر فهي على اعترافها بك شاهدة"(29). ويشتركان أيضًا في أنّ الوهم يتجاوزهما؛ فقد يتوهم العبد شيئًا والقلب يرفض الاذعان به، وقد يتوهم شيئا والعقل يرفضه أيضا. فروي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تقدّره الأوهام بالحدود والحركات.(30). وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): مَن زعم أنّه يعرف الله بتوهّم القلوب فهو مشرك.(31). وبهذا يتضح لنا أنّ القلب والعقل مصبان للرؤية القلبية المسبوقة ولو بأدنى المعرفة بالله (تعالى). فالعقل يرى بالإدراك، والقلب يرى بالبصيرة، أو بالعيون القلبية؛ وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إنما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين: عينان في الرأس، وعينان في القلب"(32). ........................... (14) مفاتيح الجنان: للشيخ عباس القمي. (15) ميزان الحكمة: للريشهري، ١٦٩٨. (16) الأعراف: 143. (17) بصائر الدرجات: محمد بن الحسن الصفار، 21ص. (18) تفسير الميزان: للسيد الطباطبائي، ج8، ص260. (19) المصدر السابق، ب8، ح2. (26) الكافي: للشيخ الكليني، ج1، ب107، ح3. (27) نهج البلاغة، خطبة الأشباح، ج 1. (28) توحيد المفضل: للمفضل بن عمر الجعفي، ص118. (29) مصباح التهجد: للشيخ الكفعمي، ص43. (30) نهج البلاغة، خ163. (31) تحف العقول: للشيخ الحسن بن علي الحراني، ص238. (32) الكافي: للشيخ الكليني، ج٨، ص215، ح260. سُبْحانَكَ طَوَتِ الْأَبْصارُ في صُنْعِكَ مَديدَتَها، وَثَنَتِ الْأَلْبابُ عَنْ كُنْهِكَ أَعِنَّتَها، فَأَنْتَ الْمُدْرِكُ غَيْرُ الْمُدْرَكِ، وَالْمُحيطُ غَيْرُ الْمُحاط.

اخرى
منذ 5 سنوات
2265

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
85376

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
71497

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
57118

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 6 سنوات
49156

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
47199

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
35775