تشغيل الوضع الليلي

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (18)

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 1874

بقلم: علوية الحسيني
"ووفّقني لإقامة حدودك"
إنّ من أهم وظائف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هي تبليغ رسالات الله (تعالى), فيدعو لنفسه, ويطلب التوفيق من الله (تعالى) حتى يقيم حدوده (تعالى).
وحدود الله (تعالى) هي الإيمان به وبرسوله –وما يلزم ذلك-؛ لقوله (تعالى): {ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّه} (1). وحدود الله (تعالى) هي حدود نبيّه محمد (صلى الله عليه وآله)؛ بدليل قوله (تعالى): {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيها وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِين} (2).
لعلها هذه إشارة من الإمام إلى خطورة فصل الكتاب الكريم عن السنة النبوية, وبالتالي فمن يقل: حسبنا كتاب الله، فقد تعدّى حدود الله تعالى, وظلم نفسه؛ لأنّه فرّق بين الإيمان بالله (تعالى) وبرسوله (صلى الله عليه وآله), ومن ظلم نفسه فله عذابٌ أليم؛ قال تعالى: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرا}(3), ونِعمَ به سبحانه مِن حكيمٍ ما أعدله.
وكلّ إنسانٍ يعقل أنّ أشد أنواع الظلم هو التجري على حدود الخالق تعالى التي أوضحها في كتابه الكريم أو على لسان نبيّه الأكرم محمد (صلّى الله عليه وآله), حيث قال تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} (4)؛ أي: أساء إليها، وذلك بتعريضها لسخط الله تعالى ومقته، وسطوته. فمن لطف الله (تعالى) بالعباد هو ظهور الإمام لإنقاذ الأنام.
إذًا حدود الدّين هي سياج الدّين, المتمثلة بالعقيدة والفقه والأخلاق, المستمدة من النبي محمد وآله (عليهم السلام), وهي –أو على الأقل البعض منها- في زمن الغيبة معوجة, تحتاج إلى إقامة, أي تعديل الانحرافات, ومقيم العوج هو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف), والمؤمن يندب إمامه كلّ جمعة قائلًا: "أَيْنَ المُنَتَظَرُ لإقامَةِ الأَمْتِ وَالعِوَج؟".
ومن مظاهر ذلك العوج في حدود الله (تعالى):
■أوّلًا: حدود الله (تعالى) العقائدية:
فأصول الدّين باعتقاد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) خمسة -التوحيد, العدل, النبوة, الإمامة, المعاد- وبالتالي يرى في كلّ أصلٍ اعوجاجًا, فيعمل على تعديله؛ ببيان الحق.
1/ على مستوى الاعتقاد بالتوحيد:
فعقيدةٌ تقول بأنّ الذات الإلهية مركّبة, وبمغايرة الصفات الذاتية للذات الإلهية, وتنسب الصفات السلبية ولوازمها لله (تعالى) كالجسمية, والرؤية البصرية, والمكان, والجهة -مثلاً-, وتجمد على ظواهر الألفاظ, فتثبت الصفات الخبرية لله (تعالى) بلا تأويل, لهي عقيدة معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة, فيها تعدٍ على أعظم حدود دين الله (تعالى), وهو التوحيد.
فهنا الإمام يُقيم حدود الدّين؛ ببيان التوحيد الصحيح, بأنّ التوحيد هو الاعتقاد ببساطة الذات الإلهية, ونفي التركيب عنها. وأنّ الله (تعالى) له صفات ذاتية هي عين ذاته. وأما الصفات السلبية فيجب سلبها عنه (تعالى) كالرؤية البصرية -مثلًا-؛ لأنّها تجعل المرئي جسمًا, والجسم محتاج إلى أجزائه, والمحتاج ليس بإله, والله هو الغني الحميد.
ويبيّن للناس ضرورة تأويل بعض الصفات الخبرية, كتأويل (يد الله بقدرة الله تعالى), و(وعرش الله بعلم الله تعالى), وغيرها من الصفات التي أخبر بها القرآن الكريم.
وحيث إنّ الإمام هو من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويل الكتاب, فيُعلّم الناس ذلك التأويل؛ ليُنزهوا الله (سبحانه وتعالى).
2/ على مستوى الاعتقاد بالعدل الإلهي:
فعقيدةٌ لا تقول بركنية العدل الإلهي ضمن اصول الدّين, وتقول بأنّ الله (تعالى) يجبر عباده على المعصية, أو أنّه (تعالى) فوّض إليهم أمور حياتهم استقلالًا عنه (تعالى), لـهي عقيدةٌ معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة.
فهنا الإمام يقيم حدود الدّين؛ ببيان الاعتقاد الصحيح بالعدل الإلهي؛ فيُعلّم الناس أنّ العدل الإلهي ثاني أصل من أصول الدّين, ويجب الاعتقاد به, وأنّه لا جبر ولا تفويض, وإنّما أمرٌ بين أمرين, فليس الله (تعالى) يجبر الناس على ارتكاب المعاصي ثم يعذبهم فيكون ظالمًا لهم, وليس يفوّض إليهم الأمر استقلالًا عنه (تعالى) فيكون غير قادرٍ على صرف شيٍء منهم أو عنهم.
وإنّما الاعتقاد الصحيح بعدله (تعالى) هو أنّه خلق العبد مختارًا في الفعل والترك مع احاطة قدرته بهم.
3/ على مستوى الاعتقاد بالنبوة:
فعقيدةٌ تنسب الخطأ والسهو والنسيان للأنبياء (عليهم السلام) عمومًا, وللنبي محمد (صلى الله عليه وآله) خصوصًا, لـهي عقيدة معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة.
فهنا الإمام يقيم حدود الدّين؛ ببيان أنّ الاعتقاد الصحيح بالنبوة العامة والخاصة يكون بتنزيه النبي عن الخطأ والسهو والنسيان, في تلقي الرسالة السماوية, وتطبيقها, وتبليغها، وأنّه معصوم عن الكبائر والصغائر قبل البعثة وبعدها.
وضرورة القول بعصمة جميع الأنبياء, والإيمان بهم, وبكتبهم, إلّا المحرّف منها, فسيأتي الإمام للناس بالتوراة والإنجيل الصحيحين.
4/ على مستوى الاعتقاد بالإمامة:
فعقيدةٌ تقطع حبل الخلافة من بعد رسول الله (تعالى), وتجعل عباد الله (تعالى) سدى بلا هادٍ, وتخالف ما تواتر من حديث -كحديث الغدير والثقلين- حينما أوصى رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخلافة من بعده إلى الإمام علي وذريته (عليهم السلام), بل وتطعن بعصمة من أذهب الله (تعالى) عنهم الرجس, وتنكر إمامتهم, وتفضّل من هم دونهم عليهم, لـهي عقيدة معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة.
فهنا الإمام يقيم حدود الدّين؛ ببيان ضرورة الاعتقاد بالإمامة كلطف من الله (تعالى) بعباده؛ حيث لم يجعلهم سدى بلا وليٍ هاد, بل وهي مكملة للنبوة, وكل ما ثبت للنبي يثبت للإمام -ما عدا الوحي والمعجز-.
ويبيّن للناس الملازمة بين أصل الإمامة وأصول الدّين التي تسبقها؛ فمن أنكر الإمامة فقد أنكر النبوة, ومن أنكر النبوة فقد أنكار العدل الإلهي والتوحيد.
كما ويبيّن لهم اهمية الاعتقاد بعصمة الإمام, ووجوب طاعته, وحيثُ إنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) هو الحاكم العالمي آنذاك, وولي الأمر, فيوجب عليهم طاعته؛ بأمرٍ من الله (تعالى) حينما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} (5).
5/ على مستوى الاعتقاد بالمعاد:
فعقيدةٌ تقول بفناء النار, وإنكار الشفاعة, ومسائل نخشى الله (تعالى) من ذكرها, لهي عقيدة معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة.
فهنا الإمام يقيم حدود الله (تعالى)؛ ببيان العقيدة الحقة بالمعاد حين ظهوره.
■ثانيًا: حدود الله (تعالى) الفقهية:
ففروع الدّين التي يتعبد بها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) –حسب ما وصلنا عن آبائه عن جدهم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وعليهم) هي: الصلاة, الصوم, الخمس, الزكاة, الحج, الجهاد, الأمر بالمعروف, النهي عن المنكر, التولي لأولياء الله تعالى, التبري من أعداء الله تعالى.
والعبادة بغير تلك الفروع عبادة معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة.
فهنا الإمام يقيم حدود الدّين؛ ببيان ضرورة التعبّد بفروع الدّين هذه, كما ويبيّن كيفيتها الواقعية, فتنحل المذاهب الفقهية, وتذوب الرؤى المختلفة, وتحلّ الأحكام الواقعية محل الظاهرية, فلا تقليد, ولا استنباط حكمٍ, ولا فتوى, ولا احتياط, ولا حتى اجتهاد, بل حُكم الله (تعالى) الواقعي يؤخذ من خليفته على أرضه, الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف).
وسبب تعبّد الأمة في زمن الغيبة بالأحكام التي أغلبها ظاهرية راجع إلى عدّة أسباب, "وقد تمت الإشارة إليها سابقًا, في شرح فقرة (وأحي بي ما درس من فروضك وسننك), والتي من أهمها ابتعادنا عن زمن النص" (6).
إذًا, فالإمام يرى في كلّ فرعٍ اعوجاجًا, فيعمل على تعديله؛ ببيان الحق, وإن كان (بعض) ما تم التعبّد به مخالفًا للحكم الواقعي الذي يأتي الإمام ببيانه؛ وذلك أفضل من الوقوع في الشبهات عند الشك في واقعةٍ لم يصلنا حكمها.
1/ على مستوى التعبّد بالصلاة:
فصلاةٌ يتوضأ لها بغسل القدمين, ويتكتف فيها المصلي, ويتشبه بالمجوس, ويجعل من كلمة (آمين) جزءاً من القراءة, لـهي صلاةٌ معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة وتعديل؛ لكونها غير صلاة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله).
فهنا يبيّن الإمام للناس الصلاة الواقعية التي يريدها الله (تعالى) من عباده.
2/ على مستوى التعبد بالصيام:
فصيامٌ لم يراعَ فيه مفطرية بعض المفطرات, ويستنبط لبعض أحكامه من بعض الاجتهادات الشخصية غير القائمة على دليل قطعي, لـهو صيامٌ معوج, يحتاج إلى إقامة.
فهنا يبيّن الإمام للناس الصوم الواقعي الذي يُريده الله (تعالى) من عباده, بكافة تفصيلاته.
3/ على مستوى التعبّد بالخمس:
فعبادةٌ لله (تعالى) مع انكار الخمس كفريضة, أو حصر موردها بالغنائم الحربية, لـهي عبادةٌ معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة.
فهنا يبيّن الإمام للناس ضرورة التعبّد بهذه الفريضة بأحكامها الواقعية.
4/ على مستوى التعبّد بالزكاة:
فلا شك أنّ التعبّد بأحكامها الظاهرية يحتاج إلى إقامة.
فيبيّن الإمام للناس أحكامها الواقعية من بلوغ حد النصاب الشرعي, ومواردها, وشروط مستحقها, وسائر تفرعاتها.
5/ على مستوى التعبّد بالحج:
وكذا التعبّد بالحج لا يخلو من أحكام ظاهرية, (قد) لا تصيب الواقع, فتحتاج إلى إقامة.
فيبيّن الإمام للناس أحكام الحج الواقعية.
6/ على مستوى التعبّد بالجهاد:
التعبّد بالجهاد سواء أكان عينيًا أو كفائيًا لا يختلف حكمه عن سائر العبادات من حيث عدم خلوّه من الأحكام الظاهرية التي (قد) لا تطابق الواقعية, فبالتالي تحتاج إلى إقامة.
فيبيّن الإمام للناس أحكام الجهاد الواقعية, لا سيما وأنّ أمر الجهاد سينحصر صدوره منه (عجّل الله فرجه الشريف), وبما أنه معصوم فيرى الحكمة في إصدار أمر الجهاد حسب الواقع المعاش آنذاك.
7/ على مستوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
عبادتان لا تنفكان عن بعض, أمرٌ بمعروف, وإلى جنبه نهيٌ عن منكر مقترف, لعلهما في زمن غيبة الإمام لم يطبقا تمام التطبيق؛ لضعف موقف الآمر الناهي -أحيانًا. أو لتملص البعض عن القيام بها رغم توفر الظروف المناسبة, وهذا عوج يحتاج إلى إقامة.
ففي زمن ظهور الإمام يبيّن لهم ضرورة التعبّد بها, واعتماد نظام التناصح بين المسلمين.
8/ على مستوى التعبّد بتولي أولياء الله (تعالى) والتبري من أعدائه:
فعبادةٌ بكافة فروع الدّين مع تماهل, أو مجاراة الآخر على حساب (التولي والتبري) من دون تقية لهي عبادة المنافقين, والله (تعالى) لا يحب المنافقين, وبالتالي هي عبادة معوجة منحرفة, تحتاج إلى إقامة.
فيبيّن الإمام للناس أهمية موالاة أولياء الله (تعالى), والبراءة من أعدائه, ويأتي بأدلة واقعية, ويحوّل لقلقة الألسن القائلة (إنّي موالٍ لكم ولأوليائكم, معادٍ لأعدائكم) إلى واقع في زمن ظهوره.
■ثالثًا: حدود الله (تعالى) الأخلاقية:
هنا على مستوى الأخلاق لا حاجة للتفصيل؛ إذ يكفي واقع الحال الأخلاقي في زمن الغيبة, وإن كان كلّ منّا يعيش في عالم الاستكمال, إلّا أنّه لم يبلغ حدّ الكمال, ومنه الكمال الأخلاقي. وبالتالي لم يتخلّق أحد -سوى المعصوم- بأخلاق الله (تعالى) بالمستوى المطلوب والممكن له, وهذا الحد من حدوده (تعالى) يحتاج إلى إقامة.
فيبيّن الإمام للناس ضرورة التخلّق بأخلاق الله (تعالى), وينهى عن الرذائل الخلقية. وهذا هو الواقع الذي يريده الله (تعالى) من عباده.
__________________
(1) سورة المجادلة: 4.
(2) سورة النساء: 14.
(3) سورة الكهف: 87.
(4) سورة البقرة: 199.
(5) سورة النساء: 59.
(6) ظ: تجليات معرفية في الخطاب المهدوي, ح10.

اللّهم وفّق وليّك لإقامة حدودك, وأكحل ناظرنا بواقعك.

اخترنا لكم

سيدة الولاء والوفاء

بقلم: سماهر الخزرجي إنَّ دراسة حياة الشخصيات العظيمة والرموز الإسلامية من ضروريات الحياة لأنهم يمثلون المنهل العذب الذي ننهل منه الدروس والعبر التي ترسم لنا خارطة طريق متكاملة تسمو بنا نحو الكمال، وقد أخفى التاريخ الكثير من الحقائق وغيّب أمورًا أخرى، ومنع تدوين الكثير منها مع ما لازمه من التحريف والحشو بالأباطيل والكذب، وهذا ما نلاحظه في سيّر العظماء والصالحين ولا سيما كل من يمتُ لبيت علي (عليه السلام) بصلة، محاولًا طمس تلك الفضائل والمشاهد العظيمة، ومن تلك الشخصيات العظيمة والرموز البارزة السيدة الجليلة أم البنين (فاطمة الكلابية) (سلام الله ورضوانه عليها)، تحجيمًا لشخصها وتغييبًا لدورها الفذ في الذود عن الآل وعن حياض الدين. إلا أنّ إرادة الله شاءت غير ذلك، فرغم أنه لم يصلنا عنها وعن تفاصيل حياتها إلا القليل، إلا أنّ فضلها وذكرها ومآثرها ملأت الخافقين وأصبحت قدوة للنساء ونموذجاً للفناء والانصهار في آل البيت (عليهم السلام). ففي ذلك البيت الحجازي الشريف وفي أجواء هجيرها المتقد نشأت تلك المرأة النبيلة ذات الخصال الحميدة والسجايا الفاضلة والمآثر الكريمة، النقية، الورعة، الفصيحة، البليغة، والعفيفة النفس وقد أثرت البيئة التي نشأت وترعرعت فيها على صقل شخصيتها وتربيتها وتنشئتها تنشئة صالحة، فقد تربت في أسرة عريقة شريفة حوت من الفضائل ما لا تحويه باقي الأسر، فقد أتفق المؤرخون أن آباء فاطمة وأجدادها هم من أشجع القبائل وأفرسهم بعد بني كلب، وقد تميّزت تلك الأسرة بولائها الشديد لآهل البيت (عليهم السلام)، فظهر ذلك جليًا على شخصية أم البنين (عليها السلام)، وذلك نستشفه من حادثة الخطبة، حيث تقدم عقيل لخطبتها من أبيها لأخيه علي (عليه السلام ) وهو يقول له: جئتك بشرف الدنيا والآخرة. ويروي لنا المؤرخون أن حزام أسرّه الخبر كثيرًا إلا أنه خشى أن لا تكون صالحة لهذا البيت، حيث إنه مهبط الوحي ومختلف الملائكة ومعدن الرسالة، فإنه يرى لمثل علي (عليه السلام) أن تكون له امرأة ذات علم وعقل وأخلاق حسنة -مع علمه بما تحمله ابنته من هذه الخصال- فينبري ليسأل أُمها عنها. فتجيب الأم بثقة عالية: يا حزام والله قد ربيتها وأحسنت تربيتها وأرجو الله العلي القدير أن يسعد جدها وأن تكون صالحة لخدمة سيدي ومولاي أمير المؤمنين (عليه السلام). فتنزل الكلمات على قلب حزام كنزول الغيث على أرض جدباء، ويقدمها لأميره بصفة خادمة لا زوجة! ولا بد أن يكون لفاطمة رأي في ذلك فهذه من مختصات حياتها وشؤونه، وقد أكد الشرع على استحصال رضاهنَّ في ذلك. فتقف تلك السيدة الجليلة الواعية الناضجة العالمة الورعة عند مفترقين، فهي تعرف بسيرة من جاءها خاطبًا، وما كان يطغى على ذلك البيت من إيثار وجوع وفقر ومشقة، وتلك العائلة التي نزل بحقها قرآنًا في خواء بطونهم وإيثارهم للمسكين واليتيم والأسير، تعلم المستوى المادي والمعيشي، وأضف لذلك علمها بما جار عليهم الدهر من محن ومصائب وظلم الأصحاب لهم بعد رحيل الحبيب صلى الله عليه و آله، وقد جال في خاطرها وهي تبدي الموافقة على الارتباط به -مفتخرةً بذلك- إعراضها عن الدنيا طالبة الزهد والتقشف مشيحةً وجهها عن ملذاتها وزبرجها وزينتها وعليها أن تعد جلباب الفقر والبلاء واللأواء، مستذكرة الحديث الشريف (من أحبنا فليعد للبلاء جلبابًا) (١) وما الذي قبال ذلك؟ قباله شرف الفوز بخدمتهم والفوز الأبدي والخلود في الدارين واللحوق بالنبي وآله في درجاتهم. وأثناء ذلك تنساب إلى مسامعها تلك الآيات ((يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29))) (٢) فتشعر بالاطمئنان وعذوبة الإيمان، فتشكر الله في سريرتها وتحمده أن خصها بهذه النعمة الكبرى.. وتدخل فاطمة ذلك البيت العلوي الشريف، وتنصهر في محبتهم وخدمتهم، وتعيش حالة من نكران الذات لأجلهم، فلقد ذابت وأذابت في ولائهم فلذات اكبادها، وتتوالى المحن على البيت العلوي ويعصف الحزن قلب فاطمة بفقدها زوجها وسندها، ثم لم يمهلها الزمن حتى يكلم قلبها بالحسن (عليه السلام)، وهي ما زالت تعيش ظلامات الحسين، ولم تنزع ذلك الجلباب الذي أعدته للبلاء وكانت شامخة كالجبل الأشم. يقول العلامة باقر شريف القرشي (رضوان الله عليه) في كتابه (العباس رائد الكرامة والفداء في الإسلام): "لم يعرف التاريخ أن ضرّة تخلص لأبناء ضرّتها وتقدمهم على أبنائها سوى هذه السيدة الزكية، فقد كانت ترى ذلك واجبًا دينيًا لأن الله أمر بمودتهم في كتابه الكريم" (٣) فكانت (سلام الله عليها) خير مصداق للأحاديث التي أمر بها النبي (صلى الله عليه وآله) بود أهل البيت بحبهم وولائهم والاتباع لهم والتمسك بحجزتهم. وكما هو معروف، فإنه عند الاختبار تظهر معادن البشر وتُعرف سرائرهم ودخائل ضمائرهم وصلابة إيمانهم، وقد أشار القرآن الكريم لذلك في قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) )(٤) ولا أرى هناك فقد أعظم من فقد الولد فكيف إذا كانوا أربعة! وكيف الحال إن كانوا على هذه الدرجة العالية من الفضيلة ونفاذ البصيرة؟! مع إنها لم تعبأ بنبأ مقتل بنيها الأربع، بل راحت تحث الخطى لتسأل عن الحسين (عليه السلام) عن إمامها، وهذا ما يحدثنا عنه الشيخ المامقاني في كتابه تنقيح المقال قائلًا: (إن علقتها بالحسين عليه السلام ليس إلا لإمامته (عليه السلام) وتهوينها على نفسها موت هؤلاء الأشبال الأربعة إن سلم الحسين (عليه السلام) يكشف عن مرتبة في الديانة رفيعة) (٤) ولأجل ذلك تبوأت هذه السيدة الزكية تلك المنزلة الرفيعة والمقام السامي، فسلام عليها يوم ولدت ويوم ماتت ويوم تبعث يوم القيامة.. ______________ ١- غرر الحكم _٩٠٣٨ ميزان الحكمة، محمد الريشهري_ ص ٥٢٠ ٢- سورة الأحزاب الآيات _٢٨_٢٩ ٣- العباس رائد الكرامة والفداء في الإسلام، للقرشي صفحة ٢٧ ٤- سورة البقرة الآيات _١٥٥_١٥٧ ٥- تنقيح المقال للمامقاني صفحة ٣٤٧

اخرى
منذ 6 سنوات
2171

تصرفي كامرأة!

بعد يوم متعب من الركض خلف الصغار وترتيب المنزل وقضاء ساعات في إعداد الطعام ودراسة الأولاد، سوف تشعرين بانهيار عصبي وضجر وتعب نفسي وجسدي... كامرأة يمكنني الشعور بك تماماً، وهنا تتأملي بالحصول على نوع من الهدوء والارتياح بقدوم شريك روحك ليرفع عنك ولو قليلاً من بعض المسؤوليات وتقضيا وقتاً جميلاً بالحديث عن كل شيء! وأنت ترسمين ابتسامة على وجهك محاولة النهوض لتهتمي بنفسك قليلاً بعد اهتمامك بكل شؤون العائلة، فإن لنفسك عليك حقاً. ولكن الذي قد يحصل هو أنه ما إن يقدم زوجك إلى البيت إلّا وتتحطم كل آمالك الوردية بصراخه في وجهك... ما هذا العشاء؟ لماذا البيت هكذا؟ لماذا الأولاد لم يناموا إلى الآن؟ انتن النساء لا هم ولا غم لكنّ سوى الجلوس على التلفاز؟ لم تكلفي نفسك حتى بإعداد كوب شاي لي! وقبل أن تستوعبي جملته السابقة يكيل لك عشرة أمرّ منها... قد وقد... يتمزق قلبك وأنت تنصتين لكل هذا التجريح والتنكيل... وبعدها كأي إنسان طبيعي ستغضبين لكبريائك وكرامتك، وستحاولين الدفاع عن نفسك، لكن... اسمحي لي أن استوقفك هنا أخية... اعلمي أن لا أحد يناقش مسألة أن زوجك مخطئ تماماً –لو كان كما وصفنا- وليس من حقه لا شرعاً ولا عرفاً ولا قانوناً أن يقول لك حرفاً واحداً مما قال، فإن وجوب معاشرتك بالمعروف أمر مفروغ منه بالاتفاق، ولا أحد يُنكر أن ما يصدر منه قد يكون ردة فعل لما حصل معه من إحباط –ربما- اليوم في عمله، فصبّ جام غضبه عليك، لا أريد تبرير فعله، ولكن هذا واقع... لست هنا في صدد الكلام عن الزوج أو كيفية إصلاح نفسه، أنا هنا اتحدث عنك أنتِ… أنتِ… فقط. قد تكون المثاليات أمراً سامياً تصبوا له كل نفس... إنّ فكرة أن تكون الزوجة مدللة زوجها لا تسمع منه إلا آيات الحب، لهي غاية كل امرأة... كل إنسان لديه آمال في الحياة وطموحات يصبو إليها ويحاول تحقيقها، وبالطبع لا أحد يتحمل رؤية أحلام صباه تتحطم... ربما يكون القلب وما به من عواطف واحاسيس أصعب ما يمكن السيطرة عليه، لكنه ممكن... إن عقل الإنسان حيّر العلماء في عدد خلاياه ووظائفه وآلية عمله ولكنهم يقفون عاجزين في معرفة كيفية سيطرته على الإنسان روحياً وجسدياً. لكنا كمؤمنين بالله تعالى لا نقف موقف العاجز أمام عظمة العقل البشري لأننا نعلم أنه المخلوق الأسمى لله تعالى فبه يثيب وبه يعاقب وبه يرفع الإنسان لأعلى مراتب الكمال. وهنا أنتِ عليك أن تلجئي لعقلك فقط... إن قلبك هنا مع ما به من إحساس بالغضب والألم لن يقودك إلا لمزيد من العناء. كامرأة عليك أن تكوني عاقلة وتتصرفي بحكمة... فكّري قليلاً قبل أن تستجيبي لغضبك وألمك الذي لن تلامي عليه أبداً: هل من مصلحتك وأنت امرأة أن تقللي من كرامتك بالصراخ والشجار مع الرجل؟ هل يليق بك كمؤمنة أن يسمع القاصي والداني صراخك وكلامك الذي قد يكون بعضه غير لائق؟ هل الأولاد بعد رؤيتهم لأمهم وهي تستسلم لغضبها وتنهار قبال كلام لأحدهم سيكونون في المستقبل شباباً رائعين يعلو صوت عقلهم على كل صوت؟ هل شجارك مع زوجك سيردعه عن تكرار فعلته مرة أخرى؟ وسيخشاك ولن يعود لتصرفه مرة أخرى لأنك أخفتيه كثيراً! كل هذا لن يحدث أبداً بصراخك وشجارك وكيلك كل كلمة بعشر منها... ستكونين قد حطّمتِ كرامتك كامرأة وهذا جرح لا يندمل، وأغضبتِ ربك الذي أمرك أن لا تنزلي لمستوى لا يليق بك كمؤمنة تاركة سمعتك الطيبة تنالها ألسنة الناس بما يشاؤون! والأولاد... زرعتِ فيهم كل القيم السيئة أولها الخضوع لشهوات النفس التي من أبشعها الغضب والتصرف أمام أي مشكلة تصادفهم دون أدنى تفكير! والأمر لن يقف عندهم في حد رد الكلام بالكلام والصراخ بالصراخ، بل ستتطور الأمور لأسوء من هذا بكثير! وزوجك –أولاً- سيكون شغله الشاغل متى يعود للبيت كي يشاجرك لأنك ببساطة علّمتيه بنقطة ضعفك! ولن يخشاك إطلاقاً، ولن تخيفيه بصراخك أو بتحطيمك لبعض الأواني في المطبخ! على العكس تماماً لربما بعد رؤيته لك وأنتِ تفقدين صوابك وتجردتِ عن انوثتك وأصبحتِ رجلاً ينقصه بضع (سنتي مترات) في طول القامة وشارباً... إلى التجرء عليك بمزيد من التنكيل والتجريح ولربما وصل الأمر إلى الضرب! ومرة بعد مرة سيعتاد الأمر ولربما راق له ذلك وستكونين أنت قد أنهيتِ حياتك كلياً! فكّري بكل هذا، ثم ابقي صامتةً بكبرياء واسأليه بعد أن ينهي كل كلامه الذي لا قيمة له: هل تعشيت؟ أتريد أن تشرب الشاي؟ المعلم مدح ابننا اليوم لأجل حفظه لدرسه، اتى أحدهم سائلاً عنك فأخبرناه أنك في العمل... ووو اسحبيه إلى ما تريدينه أنتِ... قد يصرخ في وجهك: لا أريد أن آكل من هذا الجحيم! امسكي نفسك وانهضي عنه قليلاً. الرجل ليس روبوتاً خالٍ الاحساس والعقل، فحين يراك بعد كل سوء هذا تتحملينه وتسكتين، سيشعر بالندم... ومع تكبر وغرور سيحاول أن يثيرك لا لشيء، فقط ليرفع عن نفسه الندم لشعوره أنه ظالم، ورفع هذا الشعور لا يكون إلا إذا ثبتِّ أنك مستحقة لكل ما قال وفعل! سيسألك: لما لم تتكلمي بشيء، هل أنتِ تحتقرينني؟ أو لا ترين كلامي أهلاً للرد؟! إياكِ أن تشعريه أن كلامه هراء لا يستحق حتى أن تعلقي عليه! جاوبيه بهدوء: هل تظن أن لا كرامة لي؟ أو أني لا أشعر بالألم وأنت تنهال عليّ بكل هذا التجريح وأنا كنت انتظر قدومك بشوق؟ لكن هل ترى لائقاً أن تعلو أصواتنا أمام الأولاد والجيران؟ وما المستحق لشجارنا هذا أساساً؟ إن أردت العشاء سآتيك به، وإن أردت الشاي فإن إعداده لا يستغرق دقائق، والأطفال سينامون لأنهم ينتظرونك أساساً. واسكتي هنا... سيعتذر منك كثيراً... لوميه على فعلته... لكن لا تبالغي بالملامة... فمهما كان انظري في عينيه... وفكري أن هذا الرجل أحببتِهِ ولو ليوماً في حياتك، امحي سوء هذه بحسن تلك. واعلمي أن أجر صبر المرأة على أذى زوجها لا يعدله ملؤ الأرض ذهباً. عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): مَن صَبَرَت عَلى سوءِ خُلُقِ زَوجِها أعطاها مِثلَ ثَوابِ آسِيَةَ بِنتِ مُزاحِمٍ. (مكارم الأخلاق ص 245). لا داعي أن أعرّفك بآسيا بنت مزاحم فهي وفاطمة الزهراء وخديجة ابنة خويلد ومريم ابنة عمران المصطفيات وسيدات نساء العالمين، وزيادة على ما في صبرك من إصلاح تدريجي في حياتك وخلق زوجك وارتياحك النفسي أنكِ أنتِ الطرف الأعقل والأصلح، فإن لك أجراً عظيماً مثل أجر السيدة آسيا دون أن تقاتلي في جبهات أو تصلي وتصومي دهراً. نجلاء المياحي

اخرى
منذ 7 سنوات
4610

فروا إلى الله من بلاء كورونا

بقلم: زينب الزيني مراجعة النفس وضبطها مشروعة عند الله (تعالى)، حتى أنّ المرجعية الحكيمة أوصت على لسان وكلائها بالحث على الرجوع إلى الله (سبحانه) وضبط النفس وعدم الخوف والهلع (فلا كاشفَ للبلاء إلا الله تعالى)، فعند نزول البلاء علينا المحافظة على أنفسنا بالوقاية الصحية، فالوقاية خيرٌ من العلاج، والالتزام بكلِّ ما أوصت به الدوائر الصحية للمرضى من التعقيم، وغسل اليدين، والابتعاد عن التجمعات؛ للحيطة والحذر من تفشي المرض وانتشاره.. هذا الوباء يحتمل وجهين، فمثلما هو نقمة ربما يكون نعمة: فهو نقمة إذا تمسك العبد بغروره وكبريائه، وتحدى المرض، ولم يقِ نفسه، ولم يساهم في وقاية أهله، واستهزأ به فلم يلتزم بالضوابط الصحية، وبالتالي ساعد على انتشاره، وهذا مأثومٌ شرعًا بلا شك؛ لأنّه أضرَّ بغيره علاوة على إضراره بنفسه، وقاعدة لزوم دفع الضرر عنه وعن غيره واجبة شرعًا في مثل هذه الظروف خاصة.. والوباء هذا ذاته هو نعمة إذا صحح الإنسان مساره أمام الله تعالى، ورجع وتاب وطلب العفو والعافية في الدين والدنيا؛ لأنه تنبيه وانذار من الله تعالى، فكلما كثر البلاء كثرت حاجة الانسان إلى الدعاء والتضرع إلى الله (عز وجل) بأن يرفع البلاء والوباء. قال (تعالى): "ولنبلونكم بشيءٍ من الخوفِ والجوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفس والثمرات وبشر الصابرين" (البقرة ١٥٥). وقال أيضًا: "ونبلوكم حتى نعلمَ المجاهدين منكم والصابرين ونبلُو أخباركم"(محمد ٣١) فالله (تعالى) وإن كان ينزل العذاب على من يستحق العذاب بهذا الوباء، فهو أيضًا ينزل الرحمة والبركة به على من يستحق الرحمة، فيرفع مكانته ويجزيه الجنان على صبره ورضاه، قال (تعالى): "والله يحبُّ الصابرين "(آل عمران ١٤٦)، وقال (تعالى): "عذابي أُصيبُ به من أشاء ورحمتي وسعت كُلّ شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين بآياتنا يؤمنون" (الأعراف ١٥٦). آيات الرحمة كثيرة لا تعد ولا تحصى، قال (تعالى): "ربّنا اكشفْ عنا العذاب إنّا مؤمنون" (الدخان١٢). ولا ينجو من الابتلاء أحدٌ حتى من اصطفاهم الله من عبادهِ وهم الأنبياء (عليهم السلام)؛ لأن الله اذا أحبّ قومًا أبتلاهم، لذا فهم أكثر الناس ابتلاءً وعلى رأسهم نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله الطاهرين) وأهل بيته من بعده. فهو أرفعهم وأعلاهم درجةً لما ابتلاه الله بالدنيا فصبر فعوّضه الله بالآخرة، والآخرةُ خيرٌ وأبقى. قال (تعالى): "إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب" (الزمر ١٠). فعلينا أن نحرصَ على طاعة الله (سبحانه وتعالى) في الشدة والرخاء، فإنَّ ذلك حلٌّ لكلِّ مشاكلنا وتفريجًا لهمومنا وتيسيرًا لأمورنا وإصلاحًا لأحوالنا. وعلينا ان ننجحَ أمامَ الله وهو يختبرنا، فلا نسخط من بلائه، ولا نسخر منه كما يفعل البعض، حيث يأخذ كلَّ شيءٍ على محمل السخرية والاستهزاء حتى بالموت والمرض أو يشمت بالآخرين، فيالها من قلوب قاسية بعيدة عن الله! هذا البلاء ما حلّ بنا إلا ليذكرنا ماذا يريد الله تعالى منا وماذا نعمل لكي يرضى خالقنا عنا؟ الكثير من البشر تمادى في كلِّ شيء بالدين واستخف بما جاء بكتاب الله المجيد، فأحلَّ ما حرمه الله تعالى وحرم ما أحله الله تعالى، حسبما يتماشى مع معتقداته الباطلة وأهوائه وشهواته، كما هُجرت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... وبعد كلِّ ذلك يتساءل البعض اليوم وبكل صلافة: ماذا فعلنا يا الله لتُرسلَ علينا هذا البلاء والوباء؟! لقد فعلنا الكثير من المعاصي، لم نرحمْ بعضنا البعض، بدأنا بتوهين الدين، شغلتنا الفتن وعيوب الناس عن عيوبنا، كذبنا على أنفسنا أننا مسلمون نصلي ونصوم لكن لم نطبقْ أنّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاء والمنكر، نتكلم بسوء على غيرنا، نطعن بالدين، نحرض على الفتن والطائفية، نساعد الظالم على ظلمه، جعلنا من الهواتف الذكية ساحةً لحربٍ إعلامية، نثير بها الفتن، نزيف بالإعلام، ونضلل بالحقائق، المسلم يقتل أخاه المسلم لأجل سلطة ومال وجاه، والإلحاد كثر، والفسوق انتشر، وساد التعري عند النساء، وعقوق الوالدين وقطع الأرحام، ونسينا أن كلَّ شيء بيد الله تعالى.. حسِبَ الانسان أنَّه يُخلد في الدنيا الفانية الزائلة، غفل عن أنَّ هناك رقيبًا يراقبه، وأن هناك قانونًا إلهيًا يخضع له الجميع لا فرق بين مسلم وكافر، قال (تعالى) :"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون" (الأعراف ٩)، وقال (تعالى): "ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون" (الأنبياء ٣٥) وقد بشر الله (تعالى) بالفرج بعد العسر وأعاد هذا الوعد في أكثر من آيةٍ في كتابه المجيد لتأكيد هذه الحقيقة، قال (تعالى): "فإنّ مع العُسرِ يُسرا إنّ مع العُسرِ يُسرا" (الانشراح 5و6) فكم هو رحيمٌ الله (سبحانه)، حتى الابتلاء منه رحمة علاوةً على أنَّه يعقبه الفرج، وهذا دافعٌ للإنسان ليزيد حبه لله (تعالى)، وحبه (عز وجل) هو أعظم حب في الوجود ليس قبله أو بعده حبّ فبحبّه تعالى وقربه تعالج أمراض القلوب وتذهب نزعات النفس الشيطانية وينقذ المجتمع مما يعج به من الويلات والوباء المهلك للنفس والايمان. فعلينا أن نجعل من حبنا له (سبحانه) دافعًا لعمل الأعمال الصالحة ولفعل كل ما يقربنا منه، قال تعالى :"إنْ كنتم تحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفورٌ رحيم" (آل عمران ٣١)، والله يحبُّ التوابين والمتطهرين، والمتعففين، الزاهدين، الشاكرين الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر وغيرها من الأمور التي ذكرها الله بمحكم كتابه المجيد، قال (تعالى): "أنّ الله يحبُّ التوابين ويحبُّ المتطهرين"(البقرة٢٢٢) فمن أحبَّ الله واستشعر حبه له هانت عليه المشاق وانقلبت عليه المخاوف في حقه أمانًا وزالتْ عنه سحائب الظلمات وانكشفتْ عنه الهموم والغموم والأحزان وعمر قلبه بالسرور. إذن، لمَ الهلع والخوف؟ من فيروس أرعب العالم بأسره، رغم أنَّ عذاب الله تعالى وسخطه لم يرعبهم! أ ليس الأحرى بنا أنْ نخاف خالق هذا الفيروس ونخشاه ونتوكل عليه والتسليم إليه والرضا بقضائه؟ نعم، من الناحية النفسية، فإنَّ بعض الناس يصيبهم الخوف والهلع عند تعرضهم للأخطار ولكن هذ الشعور بالخوف لا ينافي الرجوع إلى الله (تعالى) أو الخوف من عذابه، بل إنَّه دافعٌ إليهما، إذ كلما كان خوفُ الإنسانِ شديدًا من الوباء كان أكثرُ إقبالًا على الله تعالى ومناجاته وعلى الاستعانة به والابتهال إليه كي يخلصه من هذا البلاء، والتوسل والتقرب إلى الله أكبر حصانة معنوية ضد الأمراض. فإن جمع العبد بينها وبين الإجراءات الوقائية المادية من تعقيم وما شاكل ذلك من الأساليب الوقائية الصحية الجيدة التي أوصت بها وزارة الصحة، كان من المتوكلين على الله (تعالى) لا من المتواكلين؛ لأن الله (عز وجل) ربط المسببات بالأسباب ولذلك لما أهمل الاعرابي البعير ودخل المسجد وقال: توكلت على الله، قال له النبي (صلى الله عليه وآله): (اعقِلْها وتوكل على الله)، وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (أوجب الله لعباده أن يطلبوا منه مقاصدهم بالأسباب التي سببها لذلك وأمرهم بذلك )، فإنْ كان العبد متوكلًا كان الله حسبه؛ قال (تعالى): "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" (الطلاق ٣) كما إنَّ هذا الوباء هو أكبر درس للبشرية جمعاء، فعلى الرغم من تطور العالم بأحدث التقنيات لكنه عجز عن مواجهة فيروس لا يُرى بالعين المجردة قد خلقه الله (تعالى) بقدرته اللامتناهية، فيروس أهلك العالم، وعطّل الحياة، وأرعب الجبابرة، فيا ابن آدم اعرف حجمك ولا تغتر وتتباهَ وتذكرْ قدرة الله عليك. وختامًا فإنَّ أسوأ ما يترتب على الوباء هو الموت، وهو محتمٌ على جميع البشر، قال (تعالى): "أينما تكونوا يدرككم الموتُ ولو كنتم في بروج مشيدة" (النساء٧٧)، فهذا الفيروس وإنْ أصاب العالم بأجمعه لم يفرق بين صغيرٍ أو كبير، مسلم أو كافر، فقير أو غني، الكلُّ متساوون أمامه، فإنَّه لا يعدو ان يكون سببًا من أسباب الموت، وتعددت الأسباب والموت واحد، فليعد كلٌ منا زاده ليستعد ليوم الحساب، "يوم يفرُّ المرء من أخيه *وأمه وأبيه*وصاحبته وبنيه" (عبس ٣٤،٣٥،٣٦) اللهم ارزقنا حسن التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل الفوت. يا الله يا حنان يا منان يا رازق يا مشافي يا معافي يا خالق السموات والأرض اصرف عنا كلّ بلاء ووباء واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين. اللهم لا تعذبنا بما فعلهُ السفهاء منا نسألك العافية في الدين والدنيا ولا تخرجنا من الدنيا إلا وأنت راضٍ عنا بحولك وقوتك يا أرحم الراحمين. وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خير مبعوث للعالمين النبي الهادي الأمين وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

اخرى
منذ 6 سنوات
4047

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
89554

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
80511

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
61871

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
52587

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
49254

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
46796