تشغيل الوضع الليلي
الغزو الثقافي وكيفية مواجهته
منذ 8 سنوات عدد المشاهدات : 9778
الثقافة: لغةً: من (ثَقُفَ، ككَرُمَ وفَرِحَ، ثَقْفاً وثَقَفاً وثَقافَةً صارَ حاذِقاً خَفِيفاً فَطِناً)(1)
وأما اصطلاحاً: فهو (مجموع المعارف والقيم الحاكمة للسلوك)(2)
وللثقافة أهمية بالغة؛ لأنها هي التي تجسد الشخصية الاعتبارية أو المعنوية لأية جماعة من البشر سواء كانت أمة أو مجتمعاً أو ما شابه ذلك، وكلما كان لثقافة أمةٍ ما رصيد تاريخي أكبر، كلما دلّ على أصالة تلك الأمة وصمودها وقدرتها على التطور والتقدم من جهة، وقدرة أبنائها على التفاعل الايجابي معها ومع سائر الثقافات الأخرى من جهة أخرى.
كما أن الثقافة وإن كانت جزءً من الحضارة، بمعنى أن كل أمةٍ لها حضارة لابد وأن تكون لها ثقافة، وأن تكون أمةٌ ما لها ثقافة ليس بالضرورة أن تكون لها حضارة، إلا أنه بالرغم من ذلك تمثل الثقافة انعكاساً مؤشراً هاماً على مدى تقدم تلك الأمة أو تخلفها.
وبما أن الثقافة عبارة عن قيم ومعارف فهي تتنوع وتتعدد بتنوع وتعدد تلك القيم والمعارف من جهة، ولهذا لا توجد ثقافة عالمية موحدة، كما أنها تتغير بتغير تلك القيم والمعارف من جهةٍ أخرى، ومن هنا كان للاحتكاك بين الأمم وانفعال بعض الأمم بقيم ومعارف الأمم الأخرى دورٌ كبيرافي انتقال الثقافات وتأثر بعضها ببعض، مما أدى إما إلى اضمحلال وتآكل بعض الثقافات كالثقافة اليونانية التي لم تدم أكثر من خمسمائة عام ومن ثم ابتلعتها الثقافات المختلفة الأخرى، أو إلى انتقال وانتشار البعض الآخر كانتقال الثقافة الاسلامية في العصور الوسطى الى الدول الأوربية في حالتي السلم والحرب أيضاً..
فأما في حالة السلم فقد انتشرت الثقافة الاسلامية عبر الاندلس التي أسس فيها المسلمون حضارة عريقة شملت مظاهر الحياة كافة من علوم وفنون وصناعات ومظاهر سلوك، كما كانت ملتقى طلبة العلم والعلماء، لأنها تمثل حلقة الوصل بين الشرق الاسلامي والغرب الاوربي آنذاك، وكان تأثر علماء الغرب الأوربي بالحضارة الاسلامية يومئذٍ جلياً يدل عليه إقبالهم الكبير على الترجمة من العربية الى اللاتينية، إضافةً الى إنشائهم للجامعات على غرار الجامعات العربية.
وأما في حالة الحرب فإن (الحروب الصليبية [وإن] انتهت بانتصار المسلمين عسكرياً، إلا أن المسيحيين استطاعوا أن ينتصروا علمياً من خلال الذخائر العلمية التي حصلوا عليها في فترة حربهم مع المسلمين)(3)
ولازال للتغير الثقافي بين الأمم أثره البارز على الساحة العالمية حتى الساعة، بل تفاقم حجمه كثيراً عمّا كان عليه في السابق، إذ كان يأخذ وقتاً طويلاً كيما تتأثر به الشعوب وتتبناه، وأما في الوقت الحاضر فقد قصر هذا الوقت كثيراً للانتشار الواسع للإعلام ووسائل التواصل الحديثة التي جعلت من العالم قرية صغيرة.
ومن الجدير بالذكر أن التغير الثقافي قد يتأتى من تغيرات ضئيلة في المجتمع، تتسلل إليه عبر الأزياء أو الأغاني أو الأفلام، فإذا تأثر بها من يعتبرهم المجتمع صفوة أو نجوماً كالفنانين والرياضيين والإعلاميين، دفعهم ذلك إلى سلوك جديد أو تغيير في سلوكهم القديم، وعندما يتأثر محبّوهم ومن حولهم من أفراد بهذا السلوك، فإنهم يبادرون إلى تقليده، وفي هذه الحالة إما أن يلاقي رفضاً من المجتمع وخصوصاً من قبل بعض المثقفين الذين يحاولون تحصين ثقافتهم فيندثر، أو أن يلاقي تقبلاً من المجتمع أو غض النظر عنه فيستمر بل ويستقر مضيفاً قيمةً جديدة في ذلك المجتمع أو مغيراً لقيمةٍ فيه.
وبذلك يكون هذا السلوك هو المسيطر وسواه هو الشاذ، وهذه القيم الجديدة هي الأساس وعكسها هي الاستثناء، وما إن ينتقل من جيل إلى آخر حتى يتحول إلى جزء من ثقافة ذلك المجتمع.
ولعل أكثر من يؤثر في تغيير ثقافات الأمم هم الإعلاميون لأنهم إذا ما تأثروا بأمرٍ أو أرادوا تأثر المجتمع فيه فإنهم بلا شك سيبذلون كل ما في وسعهم من أجل الترويج إليه، لاسيما أنهم يملكون أقوى أداة فعّالة لتحقيق ذلك وهو الإعلام، وقد استغل أعداء الدين الاسلامي هذه الأداة أبشع استغلال خصوصاً أنهم يملكون أقوى إعلام في العالم وبكل أنواعه وأشكاله لاسيما المرئي منه، فقاموا بشنّ هجمةٍ ناعمةٍ على الفكر الديني والثقافة الاسلامية ليعكسوا المعادلة، فتكون ثقافتهم هي الفاعلة والمؤثرة فيما تكون الثقافة الاسلامية هي المنفعلة والمتأثرة..
وتكمن خطورة الغزو الثقافي هذا في البون الشاسع بين الثقافتين، فبينا ثقافتهم قائمة على الانفلات في الحرية والابتعاد عن الدين، في حين أن الثقافة الإسلامية ذات أساس رباني تستمد معارفها وقيمها من القرآن الكريم والسنة النبوية.
وفي الوقت الذي تنجذب فيه ثقافتهم إلى الإفراط و التفريط، كالأفراط في العلم والعمل، والإفراط في الاهتمام بالجسد، وفي رعاية المصلحة الفردية التي جسّدها النظام الرأسمالي، وبالمقابل التفريط في الإيمان والعبادة والتفريط في الاهتمام بالروح وفي رعاية المصلحة المجتمعية. في حين أن الثقافة الاسلامية تؤمن بالتوازن بين الإيمان والعلم، والعبادة والعمل، بين الدنيا والآخرة، بين الروح والجسد.
وقد جاء غزوهم الثقافي للأمة الاسلامية على خطين أو محورين:
الأول منهما مهمته الإساءة إلى الدين الاسلامي وتشويه رموزه المقدسة كخاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله) فضلاً عن تشويه المسلمين أنفسهم وإظهارهم بمظهر العنف والوحشية والقسوة والهمجية، بهدف التثقيف العالمي على نبذ هذا الدين العظيم ومحاولة تقبيح صورة رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وأجلَّه عن ذلك ورفع شأنه)، ووسم الفرد المسلم بسمات الإنسان الإرهابي الشهواني اللئيم.
وأما الخط الآخر فكان يهدف إلى تفتيت قيم ومعارف المسلمين أنفسهم وزرع قيم ومعارف أخرى لغرض تمييع الثقافة الاسلامية ومحاولة القضاء عليها وتجريد المسلمين من هويتهم الاسلامية.
وقد نجح هذا الغزو الثقافي - للأسف الشديد - إلى حدٍ ما، ومما يدلُ على نجاحه ما نشاهده اليوم من تأثر بعض الشباب بالثقافات المستوردة وكأنهم بين ليلةٍ وضحاها قد مُسِخوا بعد ما انسلخوا عن ثقافتهم الأم، فلم يعد جوهرهم يدل على ثقافتهم الأصل فضلاً عن مظهرهم، فاختلفت طريقة تفكيرهم باختلاف قيمهم ومعارفهم، فبعد أن كان الوقار والهيبة مثلاً رمزاً للرجولة ومقوِّماً من أهم مقوّماتها، أمسى بعض الشباب ولا مانع لديهم من التشبه بالنساء في السلوك والمظهر، وبعد أن كان الستر والحياء رمزاً للأنوثة أضحى الزي الفاضح والتبرج الفاحش علامته الأولى، وقد انعكس ذلك على ظاهرهم، فلم تعد قصّات شعر بعض الشباب كما كانت، ولا زيّهم المعهود سابقاً، وأما الفتيات فتجد بعضهن يتبارين بخلع لباس العفة والتخلي عن رداء الحياء لهثاً وراء الأنوثة التي صمّمتها أفلام هوليود ورسمتها السينما العربية المتأثرة بها!!
بالإضافة إلى الغزو الثقافي الذي مارسه الإعلام الغربي ولازال، فقد مارس الأعم الأغلب من الإعلام العربي هو الآخر دور المعول الهدّام في تحطيم ثقافة المجتمع العربي، فلا برامجه تغذّي العقل العربي، ولا أفلامه تحث على القيم العربية إلا ما ندر، ولا مسلسلاته تنمي المعارف الاسلامية، بل على العكس من ذلك كله تسعى جاهدةً إلى ترسيخ القيم الغربية والمبادئ المغلوطة والمقاييس المقلوبة.
وقد أسفر كل ذلك عن إصابة الكثير من أفراد المجتمع الاسلامي بانحطاط في الثقافة، وخواء في الجانب العلمي والمعرفي، وتقهقر في الحضارة، واستهانة بالمبادئ والقيم السليمة، وتبديلها بأخرى مستوردة سقيمة، كما أدت إلى التضخم في الاهتمام بأهل الفن والرياضة واتخاذهم قدوات، والانكماش في المجال العلمي والمعرفي والاستخفاف بالعلماء والكفاءات..
ولكل ما تقدم لابد أن تنهض أمتنا الاسلامية نهضة ثقافية قوية لاستعادة أمجاد الماضي حين كانت هي المُصدرة للعلوم والمعارف، وحين كانت حضاراتنا التي سبقتها هي من علّمت العالم القراءة والكتابة. ولانتشال شبابنا الذين هووا في مستنقع الثقافة المادية المنحطة، وليس ذلك بعزيز إذا ما تظافرت جهود صفوة المثقفين، وتكاتفت قوى العلماء الصالحين المصلحين، الذين يتقنون أساس الثقافة الاسلامية الرصين، عبر الوقوف أمام المعارف والقيم الفاسدة التي تصدرها الثقافات الأخرى ومنعها من النمو والانتشار، والترويج للمعارف الحقة وللقيم التي ترتقي بالفرد والمجتمع، وتحويلها من الكتب والعلوم إلى واقع وسلوك، ونشر مضمون الثقافة الاسلامية ومكوناتها من القيم والمعارف، وعدم الاقتصار على سرد الجانب التاريخي منه. ولا يكون ذلك متيسراً ومتاحاً إلا بامتلاك هؤلاء المتقنين لأسس الثقافة الاسلامية للأدوات الفعّالة لذلك كالإعلام بكل أنواعه المرئي والمسموع والمقروء بل وحتى الرقمي منه، وإلا فمن لا حظ له من الثقافة الاسلامية كيف يمكن الاعتماد عليه في نشرها؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القاموس المحيط ج2 ص361
(2) صناعة الثقافة ج1 ص31
(3) د. علي البيكدلي مقال(دور الحضارة الاسلامية في النهضة الأوربية) مجلة التوحيد، قم، ع77، ص71
رضا الله غايتي
اخترنا لكم
دُعـاةٌ صادقون
بسم الله الرحمن الرحيم {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبا}(1) صدق الله العلي العظيم. إنّ طريق الدعوة إلى الله تعالى ببيان أركانه الثلاثة من اصول وفروع وأخلاق لـهو طريق الأنبياء والأولياء، وإنّ السالك فيه ينال من التشريف مالم ينله غيره، وفي قبال ذلك عليه أن يتحلى بما تحلّى به الأنبياء والأوصياء، مقتفياً للآثار، متجاوزاً الظروف والأقدار، راجياً رضا العزيز الجبار، مستغنياً عن مدح الصغار والكبار، متجنّباً ما للتكبر من آثار. وخيرُ محلّ شاهدٍ على كلامنا هي دعوة الإمام الكاظم (عليه السلام) إلى دين الله تعالى وهو في أحلك الظروف. حيث "كانت بعض الأقاليم الإسلامية التي تدين بالإمامة ترسل عنها مبعوثاً خاصاً للإمام (عليه السلام) حينما كان في سجن السندي، فتزوده بالرسائل، فكان (عليه السلام) يجيبهم عنها، وممن جاءه هناك علي بن سويد، فقد اتّصل بالإمام (عليه السلام) وسلّم إليه الكتب فأجابه (عليه السلام)"(2). فما قدّمه لنا إمامنا الكاظم (عليه السلام)، يشير إلى أنّهُ (عليه السلام) تحدّى الصعاب، واستشعر عِظَم مسؤوليته الشرعيّة، وأهمية تثقيف عيال الله بما يحقق سلامة عبادتهم فيحلّقوا في سماء الفضيلةِ والرضوان بواسطتهم. نعم- لكل فعلٍ ردّة فعل سلباً أو إيجاباً، وكما كان لحملة الرسالة السماوية اولئك أعداء، فلمن سار على نهجهم أعداء أيضا، لكن والله وبالله وتالله لايُباليَنَّ أحدنا بما يقوله البعض مِن تسقيطاتٍ وتشويهات، وسفاهاتٍ وترّهات، بحق الحوزة العلمية وعملها، بل المؤمّل هو وعد إمام الزمان بالسعي قدر المستطاع والتوفيق للتمهيد والنصرة. فهناك من الدعاة مَن حملوا همَّ الدعوة، فتركوا الأهل والإخوان وملاذّ النفوس، وبذلوا الأموال والأوقات والجهود، بل وتركوا طعم الرقاد. وإنّ كثيراً منهم ليدعو إلى الله سبحانه، ويجاهد في الدعوة إلى دينه جلّ شأنه، وهو يعاني من قلّة ذات يد، وكثرة عيال، وتكالب أشغال، وآلام مرض، وعتاب زوجة، وضياع مصالح، ورغم ذلك لا يبالون إلاّ بالدعـوة، هم مشغولون بكيفية إعداد الصفوة، فمنهم من يسجد شكراً لله على توبة أحد العصاة، وثاني يبكي حسرة على موت شاب على معصية، وثالث يعتنق أحد التائبين فيشاركه دموع التوبة ، ورابع لا يرى تجمعاً للشباب إلاّ وصار رفيقهم وناصحهم، وخامس ما يتناهى لمسمعه صوت غناء إلاّ بادر صاحبه بشريط ذكر ووعظ، وسادس ما ترك سجناً ولا دار رعايةٍ أو إصلاحٍ أو مدرسةٍ أو محفلٍ -حتى للمعاقين- إلاّ وبلّغ فيه، وسابع يسير ومعه أشرطة وكتيبات هداية يهديها لمن يلاقيه، وثامن وتاسع وعاشر... . ولله درّ من سار على هذا النهج القويم، لما نراه اليوم من تفكك المجتمع وانسياب فكري لبعض أفراده، فيتوجب عقلاً وجود دعاة مصلحين صادقين في القول والفعل، يدعون إلى ربّهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فكم من تائب تاب على أيديهم فغدا طالب علمٍ، أو إمام مسجدٍ، أو مؤذن جامعٍ، أو داعية خيرٍ، أو عالم أمةٍ، أو رب أسرةٍ مصلحٍ؛ لما في شخصية الدعاة من مقومات التأثير في الآخرين والتي منها: 1. الميل العاطفي والمحبة القلبية للعباد، ويؤيد ذلك القاعدة الكلية الشرطية التي جاءت في القرآن الكريم بقوله تعالى: { وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِك}(3) فالداعية لا يكسب قلب من يدعوه إلاّ إذا أحبه وشعر منه العطف والرفق وحب الخير له ابتداءً. 2. السيرة الحسنة، وهي اللبنة الأولية التي توجب التفاف الناس حول الدعاة وجذبهم إلى الخير، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم}(4). 3. الإقناع العقلي والحجة العلمية كلٌّ حسب درجة إدراكاته بالحكمة والموعظة الحسنة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين}(5). 4. مشاركة المجتمع همومه ومعالجة قضاياه، ويؤيد ذلك قول المعصوم: "من أصبح ولم يهتم بأُمور المسلمين فهو ليس بمسلم"(6). 5. الموازنة بين اسلوب الترغيب والترهيب، تماماً كما هو ديدن القرآن الكريم، ويؤيده ما عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لعبد الله بن جندب: "يَا ابْنَ جُنْدَبٍ يَهْلِكُ الْمُتَّكِلُ عَلَى عَمَلِهِ وَلَا يَنْجُو الْمُجْتَرِئُ عَلَى الذُّنُوبِ الْوَاثِقُ بِرَحْمَةِ الله، قُلْتُ: فَمَنْ يَنْجُو، قَالَ: الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ فِي مِخْلَبِ طَائِرٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَخَوْفاً مِنَ الْعَذَابِ"(7). 6. احترام الآخرين وعدم الاستهزاء بمعاصيهم أو مواقفهم، فكلّ ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْم}(8). 7- الابتعاد عن تزكية نفسه، حيث قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ}(9) والحرص على إتقان أدب السماع والإصغاء لغيره، و إعطاء الفرصة للآخرين ليفصحوا عما في أنفسهم. وأمّا عن فضل الدعوة في الجانب الروائي فأُذكّر نفسي وجميع طلبة العلم بهذه الروايات الشريفة التي تحث على نشر العلم، ومذاكرته، ومدارسته، وفضل نشره، التي هي دستور الدعاة الصالحين. فقد حثَّ الإمام الباقر (عليه السلام) على نشر العلم وتعليمه للناس ، وإشاعته في الأوساط المختلفة ، ونهى عن كتمانه، بقوله (عليه السلام) : "من علّم باب هدى فله أجر من عمل به ، ولا ينقص اُولئك من اُجورهم شيئاً..."(10). وقال (عليه السلام) : "رحم الله عبداً أحيا العلم... يذاكر به أهل الدين وأهل الورع"(11). وجعل على العلم زكاة فقال : "زكاة العلم أن تعلّمه عباد الله"(12). كما جعل تذاكر العلم ومدارسته صلاة ، فقال : "تذاكر العلم دراسة ، والدراسة صلاة حسنة"(13). وروي عن الإمام أبي الحسن علي بن محمد الهادي عليه السلام أنّه قال: "لَـوْ لا مَنْ يَبْقى بَعْدَ غَيْبَةِ قائِمِكُمْ علَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العُلَماءِ الدَّاعينَ إِلَيْهِ، وَالدَّالِّينَ عَلَيْهِ، والذَّابِّينَ عَنْ دينِه بِحُجَجِ اللهِ، وَالمُنْقِذينَ ضُعَفاءِ عِبادِ اللهِ مِنْ شِباكِ إِبْليسَ وَمَرَدَتِهِ، وَمِنْ فِخاخِ النَّواصِبِ، لـمّا بَقِيَ أَحَدٌ إلاّ ارْتَدَّ عَنْ دينِ اللهِ. وَلكِنَّهُمُ الذينَ يُمْسِكونَ أَزِمَّةَ قُلوبِ ضُعَفاءِ الشّيعَةِ كَما يُمْسِكُ صاحِبُ السَّفينةِ سُكَّانَها، أولئِكَ هُمُ الأَفْضَلونَ عِنْدَ اللهِ عز وجل"(14). وروي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ : "قَرَأْتُ فِي کِتَابِ عَلِيٍّ إِنَّ اللَّهَ لَمْ یَأْخُذْ عَلَى الْجُهَّالِ عَهْداً بِطَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّی أَخَذَ عَلَی الْعُلَمَاءِ عَهْداً بِبَذْلِ الْعِلْمِ لِلْجُهَّالِ لِأَنَّ الْعِلْمَ کَانَ قَبْلَ الْجَهْلِ"(15). وكفى بذلك دليلا. _____________________ (1) الأحزاب: 39. (2) حياة الإمام موسى الكاظم عليه السلام، 2 / 492. (3) آل عمران: 159. (4) القلم: 4. (5) النحل: 125. (6) أصول الكافي، باب الاهتمام بأمور المسلمين، ح1. (7) مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج 11، ص 226. (8) الحجرات: 11. (9) النجم: 32. (10) الكافي : 1 / 35 . (11) المصدر السابق : 1 / 41 . (12) المصدر السابق : 1 / 41 . (13) المصدر السابق : 1 / .41. (14) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام: ص344، ح225. الاحتجاج: ج1، ص18. (15) اصول الكافي، ج1، ص42. اللّهم وفّقنا وجميع المشتغلين للعلم والعمل الصالح، وأجرِ للناس على يدينا الخير ماحيينا، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمدٍ وآله الطاهرين. علوية الحسيني
اخرى
نشاطات رمضانية للمرأة الشيعية (٥)
بقلم: علوية الحسيني أضواء على الاختلاط قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور} (1) ظاهر الآية الكريمة يدل على اطلاق علم الله تعالى –في كلّ مكانٍ وزمان-، وبما تنظر إليه أعين عباده –سرًا وعلانيةً، رجالاً كانوا أو نساءً-، وما تخفي صدور عباده –من خيرٍ أو شر-. وبما أنّ لكلّ أمرٍ كمالًا، وكما أنّ كمال الساعات ساعة السحَر، وكمال الليالي ليلة القدر، وكمال الأيام يوم الجمعة، كذلك كمال الشهور شهر رمضان المبارك. فكمال شهر رمضان يوجب عقلاً التعرّض فيه لكل ما هو كمال، رغم كمال بعض الأمور في سائر الشهور، بل أوجبها شرعًا، إلاّ أنّه لا مانع من الانطلاقة في هذا الشهر الفضيل نحو كلّ كمال، والسير على النهج في سائر الشهور وبلوغ المآل. الكمال الذي نحتاج أن نكتسبه اليوم – نحن النساء- هو التنزّه في تعامل المرأة مع الرجال الأجانب، أو ما يسمى اصطلاحًا بالاختلاط، فحريٌّ بي وبكِ يا اختاه أن نسلط الضوء على هذا الموضوع، وننقله بمضامينه إلى سائر النساء، بمجالس دعوية، ببطاقاتٍ تثقيفية، باتصالاتٍ هاتفية، برسائل اجتماعية، أو ببرامج اعلامية، وغير ذلك من طرق نشر الدعوة إلى دين الله تعالى. ولابدّ بدايةً من معرفة من هم الرجال الأجانب على المرأة؛ حتى يتضح تمام الموضوع، فنقول: هم كلّ مَن لا يكون من محارمها، ومن اوضح مصاديقهم: 1/ أبناء الأعمام والعمات، وأبناء الأخوال والخالات. 2/زوج الأخت. 3/ أخوة الزوج، وأبناؤهم. 4/زوج العمة، والخالة. 5/ زملاء العمل. 6/ السائق. 7/أصحاب المحال. وغيرهم كثير. الضوء يسلّط اليوم على سؤال فقهي تطرحه النساء دومًا في شهر رمضان المبارك، وهو: هل يبطل صيامي إذا تكلمت مع الرجال الأجانب؟ ولا أعلم حقيقةً لماذا يتكرر هذا السؤال في شهر رمضان فقط، ونسمعه بنسبةٍ أقل في سائر الشهور حينما يسألنَ عن مطلق حكم الاختلاط! سأجيب على السؤال بدايةً، ثم أُعرِّج على تحليل منشأ ذلك السؤال. * أما جواب السؤال فقهيًا -و له جذور عقائدية، وأخلاقية- فالحكم الشرعي الفقهي لتكلم المرأة مع الرجال الأجانب هو: "●يجوز للمرأة التكلم مع الأجنبي بما لا يثير الشهوة مع عدم التلذذ وعدم الخوف من الوقوع في الحرام. ●ولا يجوز لها أن تتكلم بما يثير الشهوة، أو ترقق صوتها بحيث يكون مثيرًا نوعًا ما. ●ولا يجوز لها المزاح مع الأجنبي إذا كان على وجه غير مناسب في الحديث معها حسب ارتكازات المتشرعة، وإن خلى ذلك عن الريبة على الأحوط وجوبًا. ●كما يُحرم محض الاستئناس بالحديث مع الأجنبي إذا لم يؤمن الانجرار إلى الحرام، كما هو كذلك عادة"(2) وهذا الجواب الفقهي له جذور أخلاقية منها: أنّ المرأة لو طبقت تعاليم الشرع لكان ذلك لقلبها أطهر من الريبة، ولبدنها أسلم من النار، ولمجتمعها أفضل من التفكك، وكفى بذلك خلقًا جميلاً تتصف به المرأة فطريًا. وأيضًا هناك جذور عقائدية للموضوع منها: أنّ التزام المرأة بأوامر ونواهي الله تعالى لهو نوعٌ من أنواع التوحيد، وهو التوحيد في الطاعة، فالطاعة لله وحده، لا لهواها ونفسها الأمارة بالسوء. *أمّا تحليل السؤال المتكرر بشأن معرفة حكم التعامل مع الرجال الأجانب في شهر رمضان ما إذا كان مبطلاً للصوم أم لا، فظاهرًا أنّه منبعث من الحرص على عبادة الصوم، وإرادة أدائها بأكمل حال، وهذا أمرٌ محمود، إلاّ أنّه يشوبه خلل، فليس هو الكمال؛ لأنّ بعض الأحكام الشرعية الظاهرية حينما شرّعت لم يُنظر فيها إلى زمنٍ معيّن، وبالتالي لا يريد الباري جل وعلا من عباده الالتزام بها في زمانٍ دون آخر، أو مكانٍ دون آخر، وعليه نقول: إنّ الحكم الشرعي للاختلاط هو هو، ثابت في جميع الأزمنة والأمكنة، فالرّب الذي يُخاف من سطوته وغضبه هو ربّ جميع الشهور، عالمٌ، شهيد، لا يحيف بحكمه ولا يحيد. وبالتالي فإنّ حكم الصوم وإن كان صحيحًا مع توفر شرائط صحته إلاّ أنّ الظن في التشدد في معرفة حكم الاختلاط المتزامن مع الصوم، وإهمال معرفة ذلك في سائر الشهور لهو أمرٌ غير محمود جملةً وتفصيلا. اختاه: إنّ انتهاك تلك الحدود سيؤدي إلى نتائج غير محمودة بالمجتمع، منها: 1/ فقدان غيرة الرجال وانتشار الدياثة. 2/ قلّة كرامة المرأة نفسها، ووصفها بالسلعة. 3/ التفكك الاسري. 4/ تفشي الانتهاكات الأخلاقية. 5/تذويب الهوية الإسلامية. وليس هذا يعني منع المرأة من التعامل مع الرجال الأجانب، بل معناه تحديد ذلك التعامل بحدودٍ مشروعة؛ وإلاّ فالمجتمع اليوم بحاجةٍ إلى المرأة، فهي نصفه، ومربية جيله، ومن يقل خلاف ذلك فهو يغالط الواقع. وحينما نتكلم عن الاختلاط فلا نحصره بالاختلاط الوظيفي. بل يشمل حتى الاختلاط البيتي، كالاختلاط الحاصل لدى بعض العوائل التي لا تولي لحكم الاختلاط المحرم اهتمامًا، فنجد أنّ مجلسًا واحدًا تجلس فيه المرأة ومحارمها وغير محارمها كزوج الأخت، وأبناء الأعمام والأخوال، وغيرهم، لتزاورٍ، أو لتبادل التهاني، أو غير ذلك من أسباب الزيارة، وما بين سلامٍ، ومزاحٍ، وكلامٍ لا مسوغ له، وإلى أن يؤول الأمر إلى ما لا يحمد عقباه –ولو لم تظهر نتيجته خارجًا-. أنقل لكِ يا اختاه قصة واقعية، سردتها عليَّ احدى الأمهات، جاءت تسأل عن الحكم الشرعي لزواج البنت من زوج الخالة، فأجبتها بأنّ الحكم هو: " لا يصح نكاح بنت الأخت على الخالة إلا بإذن الخالة، وإذا لم ترضَ فيطلِّق الخالة ويتزوج من بنت الأخت"، وإذا بتلك الأم مجرد سماعها الحكم الشرعي بدأت تبكي بكاءً شديدًا، مطأطأةً رأسها، كأنّ الحياء قد أخرس لسانها من أن تنطق بحرفٍ واحد، ثم تكلمت وأخبرتني أنّ بنتها قد تعلّقت بزوج خالتها نتيجة كثرة تردده عليهم، وجلوسهم في مجالس واحدة، بدعوى أنّهم عائلة واحدة، وما بين كلامٍ ومزاح، اتفقا على الزواج، وهو الآن يريد أن يأتي لخطبتها ! فكانت تلك الأم تقف بين موقفين، موقف أختها التي طلبت الطلاق وستهدم عائلتها، وموقف ابنتها التي اختارت تفكيك أسرة خالتها. وكلّ ذلك سببه الاختلاط المهشم للحدود الشرعية. ومن هنا أُوجّه حديثي إليكِ اختاه، بتثقيف النساء بشأن موضوع الاختلاط، وليكن الحديث موجّهًا للصادقات ليكون عونًا لهنَّ على الثبات، ولغير الصادقات لعلهنَّ يراجعنَ الحسابات، وليكن شهر رمضان موعدًا لانطلاقة ذلك التثقيف من النشاطات. واستغلي فرصة إقبال القلوب لاستلهام النصائح في شهرٍ يكاد الحديد أن يلين فيه؛ نتيجة رحمة الله تعالى الواسعة. في حين نجد أنّ البعض من النساء تعيش وسط بيئةٍ لا تعرف من الإسلام إلاّ اسمه، ومن الالتزام إلاّ ظاهره، لا غيرة عند أحدهم إذا تمازح، أو تعدى بالكلام الشرعي حدود الكلام مع غير المحارم من أهله أو أهلها مع أمه، أو زوجته، أو ابنته، أو أخته ! فكثيرًا ما تشكو بعض المؤمنات تلك الحال، وتطلب نشاطًا دعويًا ممكن أن يجابه هذه الظروف، فممكن أن يكون الحل هو: 1/عليها الاتزان، والحجاب، والوقار. 2/ محاولة جمع عدد من النساء الضيفات، والتكلم معهنَّ فيما بينهن، دون أن تلتفت الى حديث الرجال منهم حال بثهم للنكات واللغو من الكلام. 3/عليها أن تعلم انّها تجاهد نفسها، ولها اجرٌ عظيم عند الله تعالى بمجاهدتها هذه؛ حيث روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله) أنّه قال: "إنّ أفضل الجهاد من جاهد نفسه الّتي بين جنبيه"(3). 4/أن تتسيّد المكان وتطرح موضوعًا هادفًا للنقاش؛ نفعًا للجميع، واستثمارًا للوقت، وصيانةً لحدود الله تعالى من الانتهاك بحديثٍ باطلٍ، ومزاحٍ بين النساء والرجال. والحمد لله وكفى، وسمع الله لمن اشتكى. ___________________ (1) غافر: 19. (2) الأحكام طبقًا لفتاوى سماحة السيّد السيستاني دام ظله. (3) وسائل الشيعة: للحر العاملي، ج15، ص163. اللّهم اجعل نساءنا داعياتٍ مرضيات، نقيّاتٍ تقيّاتٍ عفيفات، إنّكَ سميعٌ مُجيب الدعوات.
المناسبات الدينيةالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى