تشغيل الوضع الليلي
بالحُسينِ كُلّ شيءٍ حيّ
منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 1626
بقلم: فاطمة بيطار
أجل، سيّدُ الشُّهداء، ومن مِثله؟!
فهو استثناءٌ بكُلِّ الحالات، نَجِدُ الشّفاء في تُربته، والدّعاءُ مُستجابٌ تحتَ قبّتِه، زيارتُه فريضٌة واجِبة، والأهمُّ من ذلك أنَّ هذه الزّيارة رغمَ الملايين من المُحرِّضينَ ضدّها إلّا أنّها وبِفضل الله (تعالى) تزدادُ في كُلِّ عامٍ أكثر فأكثر..
سيّدُ الشُّهداء، ومن مِثله؟!
شعائِرُه ما زالت ولن تتوقّف؛ لأنّها في سبيلِه (عليه السلام)، ولأنّها تُقامُ مواساةً له ولأمّه فاطمة (عليها السلام).
سيّدُ الشّهداء، ومن مِثله؟!
رجلٌ لا كباقي الرِّجال، خرجَ من أجلِ الإصلاح ومن أجلِ حمايةِ الدّين، فقُتِلَ ومن معه من أهلهِ وأصحابِه وأولاده، حتّى طفله الذي كان عمرُه ستّةَ أشهر، استُشهِدَ بينَ يدي إمامِنا الحنون..
وسُبيَت من سبيت من نِسائه المُخدّرات اللواتي لم يرَ ظلُّهنَّ أحدٌ قبلَ يومِ الطّف، وأطفاله الّذين كانوا في دلالٍ وعز، حتّى أنّ مصيبتَه خُلِّدَت ورزيّته عظُمَت على مرِّ الزّمن، فاهتدى بِفضلِه الكثيرون ممّن شاهدوا فيه صفات الإيمان، الشّجاعة، الصّدق، القوّة، والكثير ممّا لا يُكتَبُ ولا يُقال..
سيّدُ الشّهداء، ومن مِثله؟!
تتقطّعُ القلوبُ من شدّةِ الشّوقِ إليه، وترتفَعُ الأصواتُ بلوعةِ البكاءِ عليه..
سيّدُ الشّهداء، ومن مثله؟!
حيثُ إنّ الماءَ يُحيي كُلَّ شيءٍ، وهو قد حُرِمَ من الماء، واستُشهِدَ عطشانًا، لكنّه أحيا جَميعَ مُحبّيه وأنجاهُم من الضّلال..
فبالحُسين كُلُّ شيءٍ حي.
اخترنا لكم
هل إنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يقتل العلماء؟
بقلم: علوية الحسيني عبارةٌ أخذَ يرددها مَن جهلَ قضيّة إمام زمانه، فسمعَ أضاليلَ مِن ضُلاّل، حتى قالَ باطلًا: "فإنّهُ أوّل ما يبدأ بقتل الطلاب الحوزويين (طلبة العلم)". وجواب هذه الشبهة إجمالًا يكمن في بيان عدم صحة هذه الشبهة، وهل من المعقول أن يقتل الإمام أهل العلم؟ وإن أمكن ذلك فلماذا أهل العلم؟ وهل يقتلهم جميعًا -الصالح والطالح-؟ جواب تلك الأسئلة يتضح في المطالب التالية: ■المطلب الأول: معقولية قتل الإمام لجميع أهل العلم، على حدّ قولكم أيّتها القِيل الباطلة الناطقة بالشبهة إنْ قتَلَ الإمام لجميع أهل العلم، رغم أنّ الحوزات العلمية المباركة تسمى بيوتات الإمام الحُجّة؛ وفيها يُتدارس علوم محمّد وآل محمّد، ومَن يتدارس وينشر تلك العلوم هم (طلبة العلوم الدينية)... فهذا يلزم منه أن يكون الإمام معاديًا للعلم، داعيًا للجهل! والحالأنّه (عجّل الله فرجه الشريف) يسلك مسلك أجداده (عليهم السلام) بالترحم على مَن يُحيي أمرهم "رحم الله عبدًا أحيا أمرنا... يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا..." (1). وإلّا كيف كان أجداده يترحمون على مَن يتعلم علوم العترة المحمدية (عليهم السلام) ويأتي الإمام ويقتلهم! فهذا لازمه أن يكون الإمام ناكرًا لأحاديث أجداده (عليهم السلام)، وحاشاه من ذلك. إنّ الإمام المفترض الطاعة هو تجلي لرحمة الله تعالى للمؤمنين، داعٍ إلى الهدى والكمال -ومن الكمال طلب العلم-، ناهٍ عن الظلم والجهل. ■المطلب الثاني: منشأ هذه الشبهة وتحليلها ورد في كتاب الارشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)، ما مضمونه: "انّ الامام الحجة عجّل الله فرجه الشريف إذا وصل الكوفة يخرج إليه بضعة عشرة آلاف في أعناقهم المصاحف، يدعون البترية، يطلبون منه الرجوع عن الكوفة، ولعلّ عبارة (في أعناقهم المصاحف) كناية عن حملهم وحفظهم للقرآن الكريم، مما يوهم البعض أنّهم حملة العلم، لكنّهم كالحمار الذي يحمل اسفارًا، كما وصف الله تعالى مَن حمل التوراة ليضل الناس، محرّفًا فيها، حيث قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارا} (2). إنّ صاحب الشبهة الذي جاء بها مرددًا مستبشرًا، لو تأمل في نص الرواية لكان قد بقي لعقله حياة، ولكان أبعد من الضلال أقرب إلى النجاة، ولم يكن سمعه أو نظره وعاءً للشبهات. الرواية رويت عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال فيها -كما هو مروي-: "إِذَا قَامَ القَائِمُ (عليه السلام) سَارَ إِلَى الكُوفَةِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا بَضْعَةَ عَشَرَ أَلْفاً يُدْعَوْنَ البَتْرِيَّةَ، عَلَيْهِمُ السِّلاحُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: ارْجَعْ مِن حَيْثُ جِئْتَ (فَلا حاجَةَ) لَنَا فِي بَنِي فَاطِمَةَ، فَيَضَعُ فِيهِمُ السَّيْفَ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهِمْ. ثُمَّ يَدْخُلُ الكُوفَةَ فَيَقْتُلُ بِهَا كُلَّ مُنَافِقٍ مُرْتَابٍ، وَيَهْدِمُ قُصُورَهَا، وَيَقْتُلُ مُقَاتِلَهَا حَتَّى يَرْضَى اللهُ (عَزَّ وَعَلا)" (3). ■المطلب الثالث: نقض الشبهة ممكن نقض الشبهة بكلمةٍ واحدة؛ بالطعن في سندها، بالقول: إنّ الرواية مرسلة. لكن على فرض الأخذ بها وفق المباني الرجالية، فنحتاج إلى الانتقال إلى مناقشة متن الرواية. فأول ما يستوقفنا في المتن هو تفسير مفردة (البترية)، حتى نعلم سبب قتل الإمام لهم. وبالرجوع إلى الكتب المعتبرة، التي كتبها أهل الاختصاص في القضية المهدوية، نجد أنّ البترية هي: "إحدى الفرق الزيدية التي تخرج على الإمام المهدي عليه السلام معترضين عليه بالمجيء إلى الكوفة وأنهم لا حاجة لهم بالإمام (عليه السلام) فيعمل الإمام على تصفيتهم وقتلهم لنفاقهم ولكونهم لم يكونوا صادقين في تدينهم ولا مؤمنين بالتزامهم وإنما جعلوا عبادتهم للدنيا فهم شر جماعة تُخذل الناس عن نصرة الإمام عليه السلام" (4). والزيدية: "هم من الفرق الشيعية التي آمنت بإمامة زيد بن علي بن الحسين بعد استشهاد والده الإمام السجاد (عليه السلام)" (5). وحيث أنّ فرق الشيعة عديدة، وجميعها ضالة، سوى فرقة الشيعة الإمامية الاثني عشرية (الجعفرية) الذين يعتقدون بإمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيتضح للقارئ أنّ البترية (الزيدية) عوامهم وعلماؤهم لا يعتقدون بإمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) فينصبون له العداء، ويحاولون شلّ دعوته إلى دين الله تعالى، وإلى المذهب والفرقة القويمين. وبغض النظر عن خروجهم على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالقتل، فإنّ نعتهم بالانحراف والكفر ثابت لهم من بادئ الأمر؛ حيث "أجمع أهل الإسلام قاطبة واتِّفقوا على مَرِّ الاعصار والأعوام على خروج المهديِّ المنتظر (عليه السلام)، حتى عُدَّ ذلك من ضروريات الدين، وهو اتفاقٌ قطعي منهم، لا يشوبه شك، ولا يعتريه ريب. اللهم إلا من شَذَّ، مِمَّن لا يُعتدُّ بخلافه، ولا يلتفت إليه، ولا تكون مخالفته قادحة في حُجِّيَّة الإجماع. مضافًا إلى تواتر أحاديث الإمام المهدي ( عليه السلام ) تواترًا قطعيًّا. وظاهر أنَّ من أنكر المتواتر من أُمور الشرع والغيب بعد ما ثبت عنده ثبوتًا يقينيًّا فإنّه كافر، لردِّه ما قُطع بصـدوره، وتحقَّقَ ثبوته عـنه (صلى الله عليه وآله) . ولا شُبهَة في كفر من ارتكب ذلك بإجماع المسلمين؛ لأنّ الرادَّ عليه ( صلى الله عليه وآله ) كالرادُّ على الله تعالى، والرادُّ على الله كافر باتِّفاق أهل المِلَّة، وإجماع أهل القبلة" (6). إنّ علماء الزيدية علماء سوء؛ لضلالهم، ومن هنا يتضح للقارئ سبب قتل الإمام لهم. خصوصاً وأنهم يخرجون ضده حاملين السلاح، مما يُشير إلى أنهم خرجوا يُقاتلونه ويبغون تقويض حركته الهادية المهدية. ___________________ (1) حديث روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) في عيون أخبار الرضا: للشيخ الصدوق, ج2, ص275. (2) الجمعة: 5. (3) الإرشاد: للشيخ المفيد, ص٣٦٤. (4) موجز دائرة معارف الغيبة: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه, ٧٣/٤. (5) فرق الشيعة: للنوبختي، ص89. (6) الروض الفسيح في بيان الفوارق بين المهديّ والمسيح (عليهما السلام): للشيخ محمّد باقر الإلهيّ القمّي. اللهم وفقنا والمشتغلين للعلم والعمل الصالح، وأنلنا رضاك ووليّك، بحق محمد وآل محمد.
دراسات مهدوية
لا تُلبِّ كلّ رغبات أبنائك!
إن تلبية كل ما يرغب به أطفالك يقع في خانة الحب المضطرب الذي يدل على عدم معرفة الأهل بأصول التعامل التربوية مع متطلبات الأطفال ورغباتهم! توجد حاجات وتوجد رغبات كثيرة يرغب الأطفال في نيلها والحصول عليها! لنضرب مثالاً على ذلك: لو كان أطفالك يمتلكون ملابس جديدة فلا داعي لشراء أخرى من باب العادة التي اعتاد عليها الكثير من الناس في كل مناسبة. نعم ادخال السرور والفرح على العيال من الأمور المستحسنة التي حث عليها الشرع وفيها أجر وثواب ولكن كثرة الشراء وتلبية كل رغبات الطفل من الأشياء السلبية التي يفعلها الكثير من الأهل بدافع الحب والوقوع في العادات التي يتبعها المجتمع! يمكن أن اشتري لمن يحتاج ملابس أو يحتاج أشياء ضرورية أخرى أراها مناسبة لسد رغبات الطفل من حين لآخر ولكن اتّباع عادات نمطية اجتماعية يكون دافعها العيب من الناس أو فعل الناس لها، هي من الأمور التي تدل على فقدان الثقة! يجب أن يفعل الأهل الاشياء التي يرونها مناسبة لهم ولأبنائهم، تعويد الطفل على شراء أشياء كثيرة فيه مشاكل وسلبيات عديدة، فكثرة توفير الاشياء تفقدها قيمتها وأهميتها ورونقها. يجب أن يعتاد الأبناء على سماع كلمة لا وكلمة نعم وفق ما تقتضيه المصلحة ليتعلموا الاتزان اليومي وليكونوا أكثر اتزانا في طلباتهم، وليتعلموا كيف ومتى يطلبون الأشياء. فلو اعتاد الأطفال على تلبية كل ما يطلبون، فانهم سيضاعفون الطلبات وسيقع الأهل في حرج مادي واجتماعي أيضاً، ولن يتعلم الأبناء التفكير بمشاعر أهاليهم، لأن صفة الانانية ستنمو في نفوسهم وتتجذر شيئاً فشيئاً وبذلك فإن جُلّ تفكير الأطفال سيكون برغباتهم دون التفكير بقدرة الأهل على توفير مثل تلك الطلبات! الحب لا يعني أن أعطي ولدي البالغ من العمر ٨ سنوات مصروفاً بقدر أكثر من الحاجة الفعلية له، إذ يمكن إعطاؤه مبلغاً متناسباً مع حاجته العمرية، ويمكن اعداد بعض الطعام له في البيت! إعطاء الطفل مبلغاً كبيراً نسبياً من المال له سلبيات عديدة تجعله يشعر بأن من حقه أن يحصل على هذا المال كل يوم، ولن يقدّر أتعاب والديه مستقبلاً إطلاقاً بل سيكون ولداً طائشاً لا يقدر قيمة الاشياء التي يحصل عليها دون عناء ودون جهد يذكر. فلا يمكن أن نجعل الطفل يشعر بأن الاشياء سهلة الحصول ومتوفرة في كل وقت! يجب أن نجعل الطفل يشعر بقيمة ما يحصل عليه وهذا يتم بأن نجعل الطفل يشعر ببعض المعاناة ليفهم ويشعر بقيمة الأشياء وأهميتها! في الحياة تحديات وصعوبات كثيرة وإذا قمنا بتوفير كل شيء بسهولة للأطفال فإننا لن نقوم بإعدادهم بشكل صحيح لمواجهة تحدياتها المختلفة، يجب أن نعدهم الاعداد القوي الذي يمكّنهم من الصمود أمام تقلبات الحياة وصعوباتها، وحرمان الأطفال من بعض الأشياء يجعلهم يشعرون بلذتها وقيمتها إذا قمنا بتوفيرها لهم بين الحين والآخر، ويجعلهم يفهمون الحياة أكثر ويدفعهم إلى التفكير المنطقي وتطور عملية التفكير بشكل إيجابي. يمكن أن تتغير احوالك المادية نحو الأسوأ، فلا يكون بمقدورك أن توفر له مصروفاً عالياً، لذلك فإعطاؤك مصروفاً مناسباً يعلّمه القناعة منذ الطفولة ويدفع به إلى حسن التصرف مع المال. ليس في الأمور المادية فقط، بل في تقديمنا المساعدات والإمكانيات لهم أيضاً، فإذا شاهدت ابنك وهو يسقط على الأرض فلا تبادر لمساعدته حتى وإن لجأ إلى البكاء والصراخ فهو يقول لك: تعال وساعدني إني بحاجة إليك. وأنت تقول له بتجاهلك لصراخه: باستطاعتك الاعتماد على نفسك فأنت لست بحاجة لي في هذا الموقف يا بني! بهذه الحركة البسيطة التي قام بها الأهل (سقوط الطفل على الأرض وتجاهله) فإن الطفل سيتعلم بأن بإمكانه النهوض لوحده والاعتماد على نفسه، وبهذا فإنه سيعتمد على نفسه عندما يسقط لاحقاً على الارض. وهذا الموضوع على بساطته فإن كثيرًا من الأهل يفشلون به لأنهم لا يمتلكون المعرفة في تحليله بالشكل الصحيح، لذلك فهم يهرولون مسرعين لمساعدة أبنائهم. الاشياء التي يستطيع الأطفال فعلها بأنفسهم من غير الصحيح أن نتدخل في مساعدتهم فيها، لأننا نقتل لديهم الدافعية ونضعّف من إمكانياتهم وقدرتهم على مواجهة صدمات الحياة، لذلك دع أطفالك يعانون بعض الشيء ليتعلّموا الاعتماد على أنفسهم، ولتُصقل شخصياتهم أكثر، ولتزداد قوتهم النفسية والروحية في كيفية مواجهة مصاعب الحياة منذ الصغر قاسم المشرفاوي
اخرى
إليك يا ابنتي
بقلم: وفاء لدماء الشهداء بنيتي الحبيبة: يا قطعة من قلبي ونبضة من نبضاتي، وقبس نور يضيء الأيام الحالكات في حياتي، اعلمي يا نور عين أمك أن لا أحد يفرح بالخسارة أو يسعد بانفراط أيام عمره ونقصان ساعات دهره، إلا الأم الرؤوم، التي ترى في نقص أيامها زيادة أيامك، وفي رحيل شبابها ظهور شبابك، وفي ذبول ملامحها نضارة ملامحك. بنيتي الغالية: لا زلت أذكر كل لحظاتي معك يا ثمرة حياتي، هنا حبوت، هنا مشيت، هنا تكلمت، هنا غفوت، هنا لعبت، هنا أيقظتْني ترانيم بكائك من لذيذ نومي لأقوم باحتضانك يا فرحة غدي ويومي، حاولت جهدي أن أرضعك مع اللبن حب الله تعالى والإسلام وقادته العظام أئمة الهدى (عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام). نعم يا قلبي، بالأمس كنت أتأملك وأنت نائمة في مهدك الجميل كملاك طاهر، وها أنا اليوم أراك فتاة يافعة تتحلى بالوعي والعلم والمعرفة، وكأن العمر مجموعة صور تمر أمامي بسرعة هائلة، تحمل معها صدى ضحكاتك الرائعة وطفولتك البريئة. نعم كبرت عزيزتي وها أنا أراك سندًا وعونًا يُناط بك الأمل ويُعقد عليك الرجاء، وكل أملي أن يعوض الله تعالى جهدي في تربيتك وعنائي في رعايتك ويجعلك كما يريدك نبتة طيبة سرعان ما تنمو لتكون شجرة وارفة الظلال غزيرة العطاء، أستظلُّ بها وأتمتع بجمال أغصانها وأبتهج بطيب ثمارها. أعلمي أيتها العزيزة، أن البنت الصالحة هي الشاطئ الجميل الذي ترسو على ضفته سفينة الأم المتعبة في رحلة الحياة الشاقة، لترتاح في ظلها بعد طول عناء، وتستقر بعد كثير اضطراب، فكوني أنت ذلك الشاطئ، اجعليني أطمئن وأرتاح بمرآك، وارتشف رحيق السرور وأنا أرى خطواتك واعية، وحركتك في الحياة موفقة، فحتى الأمس القريب كنت في كنفي وتحت رعايتي اهدهدك وأحنو عليك، وأرعاك وأدعو لك، أما الآن فقد صرت كبيرة لك أمورك واهتمامك وخصوصيتك وآمالك وأحلامك التي تشغل بالك وتطالبك باتخاذ قراراتك، وكلي أمل في أن توفقي في مسعاك، وتصلي بإذن الله تعالى إلى مرادك ومبتغاك، لذا حاولي أن تتأملي وتتَروّي كثيرًا ولا تستعجلي، والجئي إليّ فأنا قربك وسأكون معك متى شئت، حاوريني، صارحيني، قاسميني حلمك وأملك وألمك، تحملي قسوتي، وتلقفي دفء صوتي، ولا تملي من كثرة كلامي مهما تحدثت إليك، وكررت الوصايا والنصائح عليك، فإن حبي وحرصي يدفعني، وعليك أن تتفهمي ذلك. يا نور عيني، ارسمي مسارك في الحياة من وهج الآيات وإرشادات أهل البيت (عليهم جميعًا أزكى السلام والتحيات)، وامضي في طريقك نحو النجاح في كل المجالات، وإن كبوت يومًا أو أخفقتِ، فما عليك إلا جمع شتات أمرك مجددًا للوقوف على الطريق، واستئناف رحلتك من جديد، متجنبة أخطاء الماضي، متسلحة بالتفاؤل والأمل، متوجهة إلى الله تعالى بخير خلقه أن يسدد خطاك ويظلّل عليك غمام رحمته وألطافه ليرعاك، واجعلي همك ما حييت رضا ربك، فهذا وحده سر السعادة والهناء، ومن دونه لن تتذوقي طعم الحياة الطيبة، وإن حصلتِ على كل ما في الأرض من كنوز وجواهر وثراء... احفظي ما قلته لك، واستعيني بالله، فهو حسبك، وتوكلي عليه يكفكِ، والجئي إليه فلن تخيبي، وسيبقى دعائي يرافقك أينما حللت، يا بهجة عمري... (أمك)
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى