تشغيل الوضع الليلي

مسلم بن عقيل عليه السلام السفير الناصح

منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 12026

المهام الجِسام تحتاج إلى رجال ذوي بأس ليحملوها, يمتلكون المؤهلات القيادية, ويتحلون بالصبر والاستقامة والاخلاص للقضية, لكي يؤدوها على أتم وجهها.
مسلم بن عقيل عليه السلام كان النموذج الكامل, المؤهل لحمل سفارة المعصوم عليه السلام, وتحمل قيادة الأمة وتهيئتها, لتكون على استعداد لاستقبال قائدها الهمام, الذي لطالما راسلوه وبعثوا إليه الكتب ليقدم عليهم قائلين “اقدم علينا يابن فاطمة ستجدنا جندا لك مجندة”.
الظلم الذي عاناه المجتمع الإسلامي عموما, ومجتمع الكوفة خصوصا, دعاهم ليستنصروا الخليفة الشرعي للنبي الخاتم صلى الله عليه وآله, وسبطه والمؤتمن على رسالته, وبعد تواتر وتوالي كتب أهل الكوفة وتكاثرها, قرر الإمام الحسين عليه السلام –والحال الظاهري هكذا من الولاء- أن يقدم على الكوفة لإعلان الثورة ضد الطغيان الأموي الحاكم, وليستحكم الأمر ويتأكد الإمام عليه السلام من نوايا القوم, فقد أوكل مهمة الاطلاع على الأوضاع الى ابن عمه وثقته مسلماً عليه السلام, ليذهب الى الكوفة ويستقصي الأمر, وقد كتب الإمام الحسين عليه السلام رسالة إلى أهل الكوفة قائلا
“بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى الملأ من المسلمين والمؤمنين, أما بعد فإنَّ هانئاً وسعيداً قَدِما عليَّ بكتبكم, وكانا آخر من قَدِمَ من رسلكم, وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جُلِّكم, إنه ليس علينا إمام, فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق, وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي…..”
ومن علمنا بأن الامام المعصوم عليه السلام لا ينطق عن الهوى, وأنه لا يجامل أو يداهن, فإننا نعلم إن اختياره لمسلم ابن عقيل عليه السلام إنما هو لملكات كبيرة ومزايا عظيمة يحملها مسلم.
لقد كان مسلم بن عقيل عليه السلام, انسانا صالحا, ومؤمنا عابدا, وقائدا فاهما, خًبًرَ الإدارة والسياسة, وكيف لا يكون كذلك؟! وهو سليل بيت منهم نبي الله صلى الله عليه, والأئمة المعصومون, وأباؤه عليهم السلام هم سادات العرب ومشايخهم وشجعناهم, فجده أبو طالب عليه السلام كان سيد البطحاء, وأبوه عقيل كان صلبا في ذات الله, ولطالما مرغ أنف معاوية بن أبي سفيان في بلاطه وأمام حاشيته في الشام, من خلال تبيان مساوئه ومثالبه.
وصل ابن عقيل عليه السلام إلى الكوفة, وجمع الناس وهيأهم لنصرة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله, واجتمع له على ما تنقل كتب التاريخ والسير ما يقرب الثمانية عشر ألف مقاتل.
سار مسلم بن عقيل عليه السلام بالنهج الديني القويم, فلم يغدر ولم يفتك, ولم يتجبر, وحتى مع أعدائه كان يلتزم النهج الشرعي, لذا فهو لم يقم بقتل اللعين عبيد الله بن زياد في بيت هانئ, لأن الإسلام حرم الغدر والحيلة, كما ورد في الأثر “الإسلام قيد الفتك”.
بعد أن استوثق مسلم عليه السلام من نوايا القوم –ولو ظاهريا- كتب إلى الإمام الحسين عليه السلام بالقدوم, لكن أحداث دراماتيكية حدثت بعد ذلك قلبت الأمور رأسا على عقب, فنكث القوم بيعتهم, وتركوا مسلما لوحده في غربة وعناء, لم يقف معه من القوم إلا المخلصة المؤمنة طوعة رضي الله عنها والتي آوته وسقته وأطعمته.
بعث ابن زياد العيون للبحث عن مسلم عليه السلام, وبعد ان عثروا على مكان تواجده في بيت طوعة, تجهزت الجيوش لاعتقال مسلم عليه السلام, إلا أنه لم يسلم نفسه, فتجهز لملاقاة تلك الجموع غير آبه بعددهم وعدتهم, وأخذ يجندل الأبطال, ويكسر الكتائب, فبعث ابن الأشعث لابن زياد يطلب المدد, فاستغرب ابن زياد لعنه الله ورد قائلا “اني ارسلتك لرجل واحد” فرد ابن الاشعث قائلا : “أ تحسب أنك ارسلتني إلى دهقان من دهاقنة الكوفة, لقد ارسلتني إلى بطل من أبطال العرب”
لم تصمد الجيوش أمام بسالة وإقدام مسلم عليه السلام, فعمدوا إلى الحيلة والغدر, وهذه شيمتهم, فحفروا حفيرة في الأرض وغطوها, ولما مر مسلم عليه السلام عليها سقط فيها, وأجهز عليه القوم طعنا بالرماح, ورميا بالنبال, وضربا بالحجارة, حتى إذا خارت قواه أوثقوه وبعثوا به لابن زيد لعنه الله.
أمر بن زياد بقطع رأس مسلم عليه السلام, وأن يرمى جسمه من أعلى قصر الإمارة, وأن يمثل بجثته, وأن تُسحل بالحبال في أسواق الكوفة, وما هذه الأوامر من ابن زياد إلا دليل على بعد هذا النكرة عن قيم الإسلام الأصيلة, وعن القيم الإنسانية, وتعكس الهوة الأخلاقية بين مسلم الذي رفض الفتك بابن زياد غدرا, وبين ابن زياد الذي يقطع الرؤوس ويمثل بالجثث.
استشهد مسلم في الثامن من ذي الحجة, وفي رواية في التاسع من ذي الحجة, أي يوم عرفة, ورميت جثته من أعلى القصر, وسحلت في الأسواق بالحبال, وراح شهيدا حميدا ناصحا لله ولرسوله, مؤديا الأمانة التي كلفه بها الإمام الحسين عليه السلام فكان نعم السفير الناصح.
فسلام عليك يابن عقيل, يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا, ولعن الله قاتليك وخاذليك والراضين بقتلك والشاكين بأمرك.

بقلم: عبد الكاظم حسن الجابري

اخترنا لكم

تكسير قيود الجاهلية في التعامل مع المرأة… علاقة السيدة فاطمة (عليها) بأبيها (صلى الله عليه وآله) نموذجاً

يقول الامام الخميني (قدس سره): "إنّ المرأة كالقرآن كلاهما أوكل إليه مهمّة صنع الإنسان"(١) ان هذه الكلمة تحمل في طياتها معانٍ سامية وعميقة تُشير الى عظمة المرأة في هذه الحياة، ومدى حجم أدوارها الموكلة إليها من قِبل الله تعالى، وأهم الادوار الملقاة عليها هي إنها الوعاء الحامل للإنسان، والحضن المربي والصانع له. لذا نرى أن الله تعالى أولى للمرأة اهتمامًا خاصًا وخصّها بما لم يَخص به غيرها مِن خلقهِ، وذلك من خلال التشديد على رعايتها والاعتناء بها وحفظ كرامتها ومكانتها في المجتمع الأسري والعام عبر ما شرّعه في ديننا الحنيف. إن صلاح المرأة وقوتها ووعيها يُنتج مجتمعًا قويًا وصالحًا، فهي التي تصنع الرجال والنساء، فمتى ما عَرفت مكانتها وموقعها الحقيقي أخرجت رجالًا صالحين ذوي قيم، يحترمون المرأة سواء كانت هي ذاتها الام، او الاخت او الزوجة في المستقبل؛ وتنشئ لنا جيلاً من النساء الواعيات المربيات الفاضلات يخرج لميادين الحياة بوعي وعفة وحياء. نعم هكذا كانت مولاتنا الزهراء (عليها السلام)، كيف لا! وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) يبالغ في الاعتناء بها، وقد كسر قيود المجتمع الجاهلي الذي لم يكن يعطي المرأة مكانتها الحقيقية. فمن القيود التي كسرها النبي (صلى الله عليه وآله) من خلال تعامله من السيدة فاطمة (عليها السلام): - إظهار حبه واحترامه لها (سلام الله عليها) فقد ورد " كانت الزهراء (عليها السلام) اذا دخلت على النبي (صل الله عليه واله) قام إليها فقبلها فأجلسها في مجلسه". (٢) ومما يُنقل أنه كان يفتديها بنفسه، كما ورد أنه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في رواية طويلة شاهدنا فيها قوله: "...فداها أبوها - ثلاث مرات - ما لآل محمد وللدنيا؟ فإنهم خلقوا للآخرة، وخُلقت الدنيا لهم". (٣) إن البنت التي يُغرس في داخلها أنها كيان عزيز ومحبوب عند والديها، ستكون ممتلئة عاطفياً، قوية، لا تبحث عمن يُغذيها أو يملؤها بالحب من هنا أو هناك، ولا تضعف أمام ضِعاف النفوس وذوي القلوب المريضة ومغريات الحياة الدنيا بل وتكون كتلة من الحنان والرحمة والقوة، أي تكون مصدر عطاء للحب، لا باحثة عن مصدر ليُعطيها! لذا فسلوك النبي (صلى الله عليه وآله) مع ابنته فاطمة (عليها السلام) حجة ومنهاج على كل مسلم أن يقتدي به، وذلك من خلال إكرام بناته، وغمرها باهتمامه وحبه، بالنتيجة ستكون له كما كانت "أم أبيها" (٤)، بلسمًا ومسكنًا راحته، وملاذه عند اشتداد الأزمات والحامي والمدافع عنه في قبال كل من آذاها. لذا هكذا امرأة، كيف يُمكن لنا أن نُلم بالجيل الذي سيتربى على يديها، بل وأنى لنا أن نتصور أي الأبناء ستُظهر للمجتمع، ان كانت حازت على مقام أن تكون أماً لأبيها، فكيف ستكون أمومتها لأبنائها! بلى، لا عجب إن كان نتاجها ولدين إمامين هما الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وبنتًا كانت تُلقب بأنها " تالية أمها" أنها زينب ابنت الطهر (عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين). - السؤال الدائم عنها وتفقد احوالها عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أراد السفر سلّم على من أراد التسليم عليه من أهله، ثم يكون آخر من يسلم عليه فاطمة عليها السلام فيكون توجهه إلى سفره من بيتها، وإذا رجع بدأ بها،...". والدرس التربوي الذي يُعلمنا إياه سيد الخلق في التعامل مع البنت هو أن على الاب أن لا يقطع الوصل ببناته وإن كُنَّ في عُهدة رجل أخر، ومهما كانت مشاغله، فهذه من الامور التي تولد شيء من العزة في نفسها، وتجعلها بحالة بهجة وسرور دائم . لذا فالسؤال الدائم والوصل الذي لا ينقطع عنها من قبل والديها وأخوتها ضروري، لأنه مؤشر على الحرص والحب والاهتمام، وهذا السلوك كان سنة حسنة اسسها النبي(صلى الله عليه وآله) للمجتمع المسلم، لتَضل أواصر الارتباط وصلة الرحم قائمة، فكم نحتاجها في هذا الزمان الذي شحت به ثقافة التواصل والتراحم الحقيقية. - إن المرأة هي كيان فعال ولها ادوار تتطلب عدم الالتفات للدنيا وزينتها ثم تكمل الرواية لتعطينا درساً أخر: "...، فلما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل المسجد، فتوجه نحو بيت فاطمة عليها السلام كما كان يصنع، فقامت فرحة إلى أبيها [صبابة وشوقاً إليه]، فنظر (صلى الله عليه وآله) فإذا في يدها سواران من فضة وإذا على بابها ستر ، فقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث ينظر إليها، فبكت فاطمة وحزنت وقالت: ما صنع هذا أبي قبلها، فدعت ابنيها ونزعت الستر من بابها وخلعت السوارين من يدها، ثم دفعت السوارين إلى أحدهما والستر إلى الاخر، ثم قالت لهما : انطلقا إلى أبي فاقرآه السلام وقولا له: ما أحدثنا بعدك غير هذا، فما شأنك به؟ فجاءاه فأبلغاه ذلك عن أمهما، فقبلهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتزمهما وأقعد كل واحد منهما على فخذه ، ... الخ الحديث.(٥) إن فعل النبي(صلى الله عليه وآله) هذا لم يَكن إلا لان الزهراء (عليه السلام) كانت السيدة الاولى في ذلك المجتمع اي إنها كانت قدوة لكل النساء، وهذا ما يُحتم عليها أن تُعايش نساء ذلك المجتمع، فالنساء من الفقراء والمعدمين لا يُمكن أن يتقبلوا الاقتداء بسيدة لم تَذق ما يَذقنه، ولن ينجذبْن لإرشادها وتوجيهها، وهذا من أهم متطلبات نجاحها كرسالية وداعية الى الله تعالى، وهذا يوجب شعورهن بقربها منهن، بل وتكون بذلك مواسية ومعينه لهن على ضعف حالهن، وتكون مصدر قوة . لذا في هذا الجزء من الحديث دروس يريد منا النبي الأكرم والسيدة الزهراء (عليها السلام) أن نتعلمه ونربي أبناءنا عليها، وهو أن يُربى الإنسان بشكل عام والمرأة خصوصًا إذا كانوا ذوي اهدف سامية على الزهد (اي أن لا يتعلق قلبهم بشيء من زينة الدنيا)، فلا ينشغل بهم عن دورهم في هذه الحياة. إن المرأة التي تتربى على القناعة، لن تنشغل بالأمور الكمالية، وعندما تذهب لدار زوجها ستكون نعم العون له والسند، لا أن تكون سببًا لتعاسته والتضييق عليه، بل ولعل بعضهن تصل لقرار فكّ هذا العقد المقدس لضيق يده وفقره كما هو شائع الآن للأسف الشديد، وكل ذلك سببه ابتعادنا عن التربية المحمدية لمولاتنا فاطمة (عليها السلام). - تكليفها بأعمال اجتماعية إن من أهم تطبيقات زرع الثقة في نفس الإنسان سواء كان رجلًا أم امرأة، هو عندما تُوكَل اليه المهام، وكلما كان الشخص الطالب ذا وجاهة ومكانة اكبر كلما كان هذا الامر معززاً لثقة المطلوب منه بنفسه، وكذلك يجعل روح المسؤولية لديه بحالة نمو وتصاعد، فكيف اذا كان الطالب شخصًا كخاتم الرسل(صلى الله عليه وآله). فالنبي الأكرم قد كسر قيد تلك النظرة القاصرة لدور المرأة، فكان يرسل للزهراء (عليها السلام) من يحتاج الى مساعدة او من يحتاج لرعاية أو استشارة في مسالة علمية وغيرها من المهام لمولاتنا فاطمة (عليها السلام)، كما ورد " لما استشهد جعفر بن أبي طالب في مؤتة أمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تتخذ لأسماء بنت عميس طعاماً ثلاثة أيام، فجرت بذلك السُنّة، وأمراها أن تقيم عندها ثلاثة أيام هي ونساؤها لتسليها عن المصيبة ثم اصبحت تلك سنة عامة". (٦) وفي كتاب (بشارة المصطفى) عن الإمام الصادق عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: صلَّى بنا رسول الله (صل الله عليه وآله ) صلاة العصر، فلما انفتل جلس في قبلته والناس حوله. فبينما هم كذلك إذ أقبل شيخ من العرب مهاجر، ...، فقال الشيخ: يا نبي الله أنا جائع الكبد فأطعمني، وعاري الجسد فاكسني وفقير فارشني. فقال (صل الله عليه وأله): ما أجد لك شيئاً، ولكن الدال على الخير كفاعله، انطلق إلى منزل مَن يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يؤثر الله على نفسه، انطلق إلى حجرة فاطمة...الخ" الرواية. (٧) كما أن النبي (صلى الله عليه وآله) فتح للزهراء (عليها السلام) باب تعليم النساء فيما يجهلنه من مسائل الدين والدنيا، فكن يقصدنها من كل مكان. لذا على الآباء أن يهتموا بهذا الامر بأن يوكلوا بعض المهام لفتياتهم، ليعززوا ثقتهن بأنفسهن وليَكنّ قادرات على إدارة حياتهن وتَحمُل المسؤوليات في المستقبل بشكل أفضل، أن يستشيرونهن ويطلبوا رأيهن، ليصبحن من ذوي الفكر والتعقل، فلا يتربين على الامتثال لكل ما يسمعن وعلى تَقبل كل ما يُقال لهن على أنه صحيح ومسلم به بل يُفكرن ويحللن كل ما يُطرح عليهن، فيأخذن بالجيد منه. بالنتيجة سيرة الزهراء (عليها السلام) مليئة بالكنوز التي يمكن للإنسان أن يتأمل بها ليتخذها منهاجاً له ليصبح إنساناً إلهياً مرضياً مكرماً عند ربه، وجيهاً به عند خلقه. ___________ (١) الفقهاء حكام على الملوك – حسن الدجيلي، موقع البوابة الجامعة لأهل البيت (عليهم السلام) التابعة للمجمع العالمي لأهل البيت. (٢) بحار الانوار ج٤٣، ص٢٨٥.(٣) اشارة الى حديث سوار الفضة و وهو ورد في مقتل الحسين للخوارزمي. (٤) الإسرار الفاطمية، محمد فاضل المسعودي، ج١، ص٢٧٩، ح١٨. (٥) مكارم الأخلاق، ص٩١. (٦) قراءة في السيرة الفاطمية، ص٤٧٥، نقلا عن: المحاسن للنراقي. (٧) بحار الانوار ج٤٣، ص٥٦. فاطمة الركابي

اخرى
منذ 7 سنوات
2452

عطية العوفي .... أول من زار الحسين عليه السلام في العشرين من صفر بعد استشهاده مع جابر

احد ابطال زيارة الاربعين، صاحب وخادم الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الانصاري(رضي الله عنه ) بل هو وجابر أول من زار الحسين عليه السلام في العشرين من صفر بعد استشهاده. لكن مما لفت انتباهي وأثناء الكتابة عن زيارة الأربعين وفضلها هو ان هذا الرجل ليس خادماً فقط بل هو من كبار الشيعة مفسّرٌ، محدثٌ، فقيهٌ، شيعيٌ جَلدٌ؟!! فشمرت عن ساعدي للبحث عن سيرته الطيبة في هذه المقال البسيط تاركا تفصيل الكلام للأخوة القراء. اسمه ونسبه وولادته... هو عطية بن سعد ابن جنادة العوفي الكوفي الجدلي القيسي أبو الحسن من مشاهير التابعين ومن أهل القرآن والحديث وكان شيعيا وبسبب ذلك ضعّفه البعض.(١) الا أنّ أبن سعد في طبقاته قال: (وكان ثقة ان شاء الله وله أحاديث صالحة) (٢) وسيأتي في هذا المقال أسباب تضعيف أحاديثه . وللأسف يُغمط حقه عادة مع أهمية دوره وربما لا يذكر اسمه في المحافل إلا كونه غلاما أو خادما لجابر، ولم يكن غلاما فحسب، وإنما هو تلميذ نجيب لجابر وأبي سعيد الخدري(الكلبي) وراوٍ واعٍ لأحاديثهما وصاحب مواقف.. كان أبوه سعد بن جنادة وهو من بني جديل أول من أسلم من أهل الطائف، وصحب النبي ، وروى عنه عددا من الأحاديث، وبعد وفاة رسول الله كان ممن عرف أمير المؤمنين ، ووالاه وشارك معه في حروبه، وروى عنه بعض الأحاديث. وربما كان في أواخر خلافة أمير المؤمنين عندما ولد له ابن، جاء به إلى الإمام لكي يسميه، فقال هذه عطية الله، وسماه عطية. وقد نشأ عطية في الكوفة، ولذا لقب بالكوفي، إضافة إلى (العوفي) وتشرب التشيع من أجوائها. شيءٌ من سيرته... ولد في خلافة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام. روي أنّ عبد اللَّه بن الزبير دعا محمد بن الحنفية إلى بيعته فأبى ، فحصره ومن معه من بني هاشم في الشِّعب ، وتوعّدهم بالإحراق ، فبعث المختار أبا عبد اللَّه الجدلي في أربعة آلاف ، فسار القوم حتى أشرفوا على مكة ، فجاء المستغيث : اعجلوا فما أراكم تدركونهم ، فانتدب منهم ثمانمائة رأسهم عطية بن سعد العوفي ، حتى دخلوا مكة فكبّروا تكبيرة سمعها ابن الزبير فانطلق هارباً ، فأخرجوا ابن الحنفية ومن معه وأنزلوهم مِنى. كما أن عطية كان من جملة الثائرين على الحجاج الثقفي وظلمه زمن الحجاج في ثورة عرفت بثورة القراء فقد خرج عطية مع ابن الأشعث وسعيد بن جبير وغيرهم على الحجاج ، فلما انهزم جيش ابن الأشعث هرب عطية إلى فارس فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفي عامله فيها أن: ادعُ عطية فإن لعن علي بن أبي طالب ، وإلَّا فاضربه أربعمائة سوط ، واحلق رأسه ولحيته ، فأبى عطية أن يفعل ، فضربه ابن القاسم السّياط وحلق رأسه ولحيته ، واستقر بخراسان بقية أيام الحجاج ، فلما ولي العراق عمر بن هُبيرة أذن له في القدوم فعاد إلى الكوفة فلم يزل بها الى ان توفي عام ١١١ للهجرة وقيل ١٢٧ للهجرة . ما ورد من شعره نسب ابن شهر اشوب في المناقب ابياتا الى عطية تفيض عشقا وولاءً ومعرفة بأمير المؤمنين علي عليه السلام... رأيت عليا خير من وطأ الحصى واكرم خلق اللّه من بعد احمد وصي رسول اللّه وابن عمه وفارسه المشهور في كل مشهد تخيره الرحمن من خير أسرة لأطهرِ مولود واطيب مولد اذا نحن بايعنا عليا فحسبنا ببيعته بعد النبي محمد(٣) سمّاه الإمام علي عليه السلام عطية قال أبو جعفر الطبري في كتاب ذيل المذيَّل: عطية بن سعد بن جنادة العوفي من جديلة قيس يكنَّى أبا الحسن، قال ابن سعد أخبرنا سعد بن محمد بن الحسن بن عطية قال: جاء سعد بن جنادة( ابو عطية) إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو بالكوفة فقال: يا أمير المؤمنين إنه قد ولد لي غلام فسمِّه فقال الامام: هذا عطية الله فسُمِّيَ عطية وكانت أمه رومية(٤) . مع القرآن الكريم قال المحقق القمي: (وحكي عن ملحقات الصراح قال: عطية العوفي ابن سعد له تفسير في خمسة أجزاء، قال عطية عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات على وجه التفسير وأما على وجه القراءة فقرأت عليه سبعين مرة). وهو مطبوع حاليا وموجود في المكتبات. مع الحديث قال المحقق القمي: إن عطية أحد رجال العلم والحديث يروي عنه الأعمش وغيره وروي عنه أخبار كثيرة في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو الذي تشَّرف بزيارة الحسين (عليه السلام) مع جابر الأنصاري الذي يُعدُّ من فضائله أنه كان أول من زاره (٥). وقد أخذ عنه أبان بن تغلب ، وخالد ابن طهمان ، وزياد بن المنذر ، كما ذكره النجاشي في تراجم هؤلاء . قال ابن قتيبة : كان عطية بن سعد فقيهاً في زمن الحجاج ، وكان يتشيع . وقد ضعّف عطية جماعة ، منهم : النسائي وأبو حاتم . قال السيد الخوئي : يظهر أنّ تضعيفه ، انّما هو من جهة المذهب ، فقد أكدوا أنّه كان يُعدّ من شيعة أهل الكوفة ، وأنّه كان يتشيع ، قال الساجي فيه : ليس بحجة وكان يقدّم علياً على الكل وقول الجوزجاني : مائل . وعليه فإنّ تضعيفهم إياه لا يُعبأ به ، فقد روى عنه جلَّة الناس ، كما قال البزار ، أو جماعة من الثقات في قول ابن عدي ، وروى له البخاري في( الأدب المفرد ) وأبو داود والترمذي وابن ماجة . ووثّقه ابن سعد وابن معين كما تقدم ، ثم إنّ الرجل معروف بجهاده وثباته، وقد نُكَّل به وعُذّب لحبّه وموالاته لأمير المؤمنين - عليه السّلام (٦). وقد وجدت أثناء بحثي هذا ان تضعيف هذا الرجل كان بسبب نوعية الأحاديث التي رواها فإنه احد رواة حديث الثقلين(٧)، وأن الأئمة اثنا عشر(٨)، وحديث سفينة نوح(٩)، وتفسير آية «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس» في أهل البيت(١٠)، وحديث الغدير، والمنزلة وسد الأبواب غير باب علي ، وحديث إعطاء النبي فدكا، وروى خطبة الزهراء الفدكية وروى عن رسول الله في المهدي أنه «رجل من أهل بيتي) رضي الله عنه من مؤمن صابر مجاهد ، ومفسر ومحدث وفقيه من فقهاء الشيعة وجمعنا وإياه مع محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ____________________________ (١) سير اعلام النبلاء، الذهبي. (٢) الطبقات الكبرى، ابن سعد . (٣) مناقب آل ابي طالب، ابن شهر آشوب. (٤) ذيل المذيل، الطبري. (٥) الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي . (٦) معجم رجال الحديث، للسيد ابو القاسم الخوئي. (٧) مسند أحمد بن حنبل ج٣ (عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله أني قد تركت فيكم الثقلين احدهما اكبر من الآخر كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). (٨) كفاية الأثر للخزاز القمي عن عطية العوفي، عن ابي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله يقول: الائمة بعدي تسعة من صلب الحسين والتاسع قائمهم، فطوبى لمن أحبهم والويل لمن أبغضهم. (٩) المعجم الصغير، الطبراني ج ٢ ص ٢٢ :عن عطية عن أبي سعيد الخدري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم يقول (إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق) و (إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له). (١٠) المعجم الأوسط، الطبراني ج ٢ ص ٢٢٩ في تفسير آية «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس» وأنها في أهل البيت: عن عطية العوفي قال سألت أبا سعيد الخدري من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فعدهم في يده خمسة رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين قال أبو سعيد في بيت أم سلمة أنزلت هذه الآية. علي جابر

اخرى
منذ 7 سنوات
10912

نظــــرةٌ

بقلم: غيداء عبد الأمير بكُلِّ ما تحمله من الألم، رأيتُها تنظرُ إليه بتلك النظرةِ، نعم إنّها عمتي زينب العالمةُ غيرُ المُعلَّمة.. كنا قد أنهَكَتْ أبدانَنا وأرواحَنا الآلامُ من شدِّةِ ما مررنا به من شدائد، فأقدامُنا لا تكادُ تحملُنا؛ لأنّها متورمةٌ من المشي، وبعضُ النساء اللاتي معنا انهارت قواهن وقررنَ الجلوس إلا أنا كُنتُ ملازمةً لعمتي زينب ألوذُ بها وأستمدُ العزيمةَ منها فهي كانتْ امرأةً لم أرَ مثيلةً لها ولن أرى بعدها أبدًا.. بعدَ استشهادِ أبي الإمام الحسين (صلوات الله عليه) أُخِذنا سبايا يحدو بنا العدو من بلدٍ إلى بلد، حتى تقشّرت وجوهُ عماتي من حرارةِ الشمس، ولوِّعْنا بسياطِ الرجسِ، وكان حداءُ العدو بنا وكلامهم يكشفُ عن حقدِهم الذي ملأ صدورهم علينا ونحنُ عترةُ خاتم الأنبياء والمرسلين أشدَّ إيلامًا من سياطهم. وصلنا إلى الشام وآهٍ آهٍ من الشام، معقلُ آلِ أميّة (لعنهم الله)، كانوا قد علّقوا الزينةَ، ويضربون بالدفوف، وكأنّما عندهم عيد محتفلين بقتلِ ابنِ بنتِ نبيهم! بعضُهم لم يكُ يعلمُ من المقتول؛ فالإعلامُ المُضلِّلُ لبني أمية أخفى حقيقةَ جرمهم وأقنعوا الناسَ بأننا خوارج! كانت تلك الساعاتُ التي مرّتْ علينا قاسيةً جدًا، وأنا أتساءلُ هل يُعقلُ هذا؟! هل هؤلاءِ الناسُ مُدركون عِظمِ الجُرمِ الذي قام به بنو أمية؟! هل يحتفلون بقتلِ سبطِ رسولِ الله (تعالى) وريحانته وسبي ذراريه؟! إلى أنْ أُدخِلنا في مجلس يزيد بن معاوية (عليهما لعائن الله والناسُ أجمعين) كانت تمرُّ تلك الدقائق ببُطءٍ شديدٍ، كان زهوُ النصرِ المُزيف الذي يتبخترُ به يزيدُ أمامَ أنظارِنا كفيلاً في أنْ يُفهِمَنا كمية الخسةِ التي يحملها هذا اللعين.. لكن سُرعانَ ما انقلبتِ الأحداثُ وإذا بي أرى عمّتي زينب تخطبُ تلكَ الخُطبة الشمّاء وتهينُ وتسحقُ تحتَ أقدامها كُلَّ جبروتِ يزيد، لكنّها لم يشفَ غليلها إلا بعد أنْ تخطّى أخي الإمامُ علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) الأعناقَ وصعدَ منبرَ يزيد. من كان يُصدِّقُ أنّ هذا المنبرَ الذي لطالما يرتقيه أهلُ الحنقِ والحقدِ على آلِ البيتِ يدورُ الزمان ُويرتقيه أمامٌ من أئمةِ أهل البيت (عليهم السلام) ويفضحُ حكومةَ آلِ بني أمية وابنِ آكلة الأكباد؟! إنّه نفسُ المنبرِ الذي شُتِمَ عليه أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وإذا بالإمام علي بن الحسين (عليه السلام) يهتفُ بأعلى صوتِه بخُطبةٍ لله فيها رضا، ويُصرّحُ بمناقبِ وخصالِ أميرِ المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) بعد سماعي خُطبةَ أخي الإمام زين العابدين (عليه السلام) أدركتُ معنى تلك النظرة التي نظرتْ له بها عمّتي زينب وكأنّما لسانَ حالِها الآن انتصرتَ أخي أبو عبد الله الحسين، الآن أثمرتْ تضحياتُك.. وبقيت عيناها تربو له وهو يخطبُ إلى أنْ أدرك يزيدُ أنّه افتُضحَ، فقطع على أخي الإمام زين العابدين (عليه السلام) خطابه بالأذان، وكانت تلك اللحظةُ هي التي كُشِفتْ فيها كُلُّ الحقيقةِ المخفيةِ عن أهلِ الشام وعن الأجيال اللاحقة حيث عندما قال المؤذن: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، التفت أخي الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى يزيد وقال: مُحمدٌ هذا جدّي أم جدُّك يا يزيد؟ فإنْ زعمتَ أنّه جدُّك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنّه جدي فلم قتلتَ عترته؟!)(١) ---‐------------------------------------ (1) بحار الانوار – العلامة المجلسي-ج٤٥ -ص١٦٢

اخرى
منذ 5 سنوات
1655

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
87852

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
79285

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
60178

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
51110

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
48395

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
43429