تشغيل الوضع الليلي
تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (17)
منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 1382
بقلم: علوية الحسيني
"فإذا أذنت في ظهوري فأيّدني بجنودك واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيّدين وفي سبيلك مجاهدين وعلى من أرادني وأرادهم بسوء منصورين".
هنا ينتقل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بدعائه إلى مجريات ما بعد الظهور العلني, ويكرر افتقاره إلى خالقه الله (تعالى), فيطلب التأييد والنصر؛ لأنّهما لازمان, لا ينفكان إلاّ بمعجز, وحيث إنّ أصل أغلب مهام الإمام ليست إعجازية, وإنّما تعتمد على البراهين, واجتماع عدّة أمور -كما سيأتي- لذا طلب التأييد الحسي.
*قوله: "فإذا أذنت في ظهوري" إشارةً منه إلى أنّ زمن الظهور العلني راجع إلى الله (تعالى) -رغم علم الإمام به أيضًا-, حيث أنّ تقديم أو تأخير ظهور الإمام أمرٌ ممكن بالنسبة لله القادر, وقدرته (تعالى) تتعلق بكل ممكن.
ولعلها إشارة من الإمام إلى إلجام أفواه الغلاة من الأنام, الذين يقولون باستقلال الإمام عن الله (تعالى) بعلم الغيب, حيث يخاطبون الإمام بــ: (لِمَ لا تظهر؟)!.
*وقوله: "فأيّدني بجنودك" الفاء هنا عاطفة, فبعد أن طلب الظهور, يطلب التأييد بجنودٍ, نسبهم إلى الله (تعالى) مباشرةً, فقال: "بجنودك". وظاهر الكلمة يدل على ثلاثة معان, وكلّها تنسب لله (تعالى).
المراد من طلب التاييد هو:
1/ طلب التأييد بالأنصار, وهو ما أكدته الروايات الشريفة، مثل ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: "لا يَخْرُجُ القَائِمُ (عليه السلام) حَتَّى يَكُونَ تَكْمِلَةُ الحَلْقَةِ. قُلْتُ: وَكَمْ تَكْمِلَةُ الحَلْقَةِ؟ قال: عَشَرَةُ آلافٍ، جَبْرَئِيلُ عَنْ يَمِينِه، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسارِه"(1).
ولذا عد بعض الباحثين أن اكتمال عدد الأنصار من شرائط الظهور.
وفي الحقيقة فإنّ هذا الشرط كان مفقودًا عند المعصومين (عليهم السلام), لذا كانوا لا يتحركون بالثورة، فهذا أحد الأسباب التي دعتهم الى ذلك.
ومن هنا روي أنّ الإمام الصدق (عليه السلام) قال لسدير: "... وَاللهِ يَا سَدِيرُ لَوْ كَانَ لِي شِيعَةٌ بِعَدَدِ هَذِهِ الْجِدَاءِ مَا وَسِعَنِي الْقُعُود"(2).
2/ طلب التأييد بالملائكة, كما أيد الله (تعالى) نبيه بهم في معركة بدر، قال (تعالى): {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ* بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِين}(3).
والروايات الدالة على هذا المعنى عديدة، منها:
ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "يُبَايَعُ القَائِمُ بِمَكَّةَ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَيَسْتَعْمِلُ عَلَى مَكَّةَ، ثُمَّ يَسِيرُ نَحْوَ المَدِينَةِ، فَيَبْلُغُهُ أَنَّ عَامِلَهُ قُتِلَ، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَيَقْتُلُ المُقَاتِلَةَ، وَلا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ يَنْطَلِقُ فَيَدْعُوا النَّاسَ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ... حَتَّى يَبْلُغَ البَيْدَاءَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ جَيْشُ السُّفْيَانِيِّ، فَيَخْسِفُ اللهُ بِهِم"(4).
وكذلك ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إِذَا قَامَ القَائِمُ (صَلَوَاتُ اَللهِ عَلَيْهِ) نَزَلَتْ مَلَائِكَةُ بَدْرٍ وَهُمْ خَمْسَةُ آلَافٍ، ثُلْثٌ عَلَى خُيُولٍ شُهْبٍ، وَثُلْثٌ عَلَى خُيُولٍ بُلْقٍ، وَثُلْثٌ عَلَى خُيُولٍ حُوٍّ»، قُلْتُ: وَمَا الحُوُّ؟ قَالَ: «هِيَ الحُمْر »"(5).
3/ طلب التأييد بالأنصار والملائكة معًا، وهو احتمال وارد أيضًا؛ فبعض الروايات جمعت التأييد بالأِنس من الشيعة المخلصين, وبالملائكة, والجن, وحتى الرعب, منها: ما روي عن أبي حمزة الثمالي أنّه قال: "سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) يقول: لو قد خرج قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله) لنصره الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين، يكون جبرائيل أمامه، وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، والرعب يسير مسيرة شهر"(6).
والرعب الذي يؤيد الله (تعالى) الإمام به, وينصره به على اعداءه, خير سلاحٍ, "وهو إلقاء الرعب في قلوبهم بمجرد سماعهم بتحركات الإمام, فيعينونه على النصر عليهم"(7).
ومنها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "...يظهر رَجُلٌ مِنْ وُلْدي، يَمْلأ الأرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرَاً وَظُلْمَاً ...وَيُؤَيّدُهُ اللهُ بالْمَلائِكَةِ، والجنّ، وَشِيعَتِنَا الْمُخْلِصين"(8).
ولعلّ انتصاره بالجن يكون على الجن الطالح الذي يسخره أعداء الإمام للحرب, ولعلّ الله (تعالى) يسخر الجن لخدمة الإمام كما سخرهم للنبي سليمان (عليه السلام).
*وقوله: " واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيّدين" دعاء منه لأتباعه بأن يؤيدهم الله (تعالى) بنفس التأييد الذي أيّده به (بالملائكة, والجن, والإنس من الشيعة المخلصين, والرعب), وهذا ليس بمحال؛ فسبق وأن أيّد الله (تعالى) بالملائكة أم النبي موسى (عليهما السلام), فكذا أتباع الإمام.
وأمّا تأييد الأتباع بالجن, والشيعة المخلصين, والرعب, فهو لازم نصرة الإمام, وفي ذلك نصرة الدّين.
*وقوله: "وفي سبيلك مجاهدين" استمرار منه (عجّل الله فرجه الشريف) في دعائه لأتباعه, فبعد أن طلب لهم التأييد, يطلب لهم بلوغ منزلة المجاهد في سبيل الله تعالى, ولا يبعد أن يقصد الجهاد بكافة أقسامه -فكرياً, وبدنياً, ونفسياً, ومالياً-, ولهذا يمتاز أتباع الإمام عن غيرهم بهذه الميزات.
*وقوله: "وعلى من أرادني وأرادهم بسوء منصورين"
هنا كأنّ الإمام يشير إلى الوحدة بينه وبين أتباعه؛ فمن يرده من أعدائه بسوء, يرد السوء بأتباعه, وهذه قرينة حالية تكشف عن معنى كلامه السابق " واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيّدين"؛ فكما يطلب دفع السوء عن نفسه, وعن أتباعه, فكذا طرق تأييده هي طرق تأييد أتباعه -مع فارق اختصاص الإمام بالمعجز دونهم-.
وأمّا السوء الذي يطلب الإمام من الله (تعالى) صرفه عنه وعن أتباعه فقد تم التطرق له عند شرح الفقرة السابقة من دعائه: " واحجبني عن أعين الباغضين النّاصبين العداوة لأهل بيت نبيّك ولا يصل منهم إليّ أحد بسوء"(9).
فطلب الإمام صرف سوء المعنوي والمادي مشمول بدعائه لأتباعه.
وأما النصر الذي سيحققه أتباع الإمام -الذين سيرجعون للحياة الدنيا والذين يعاصرون زمن ظهوره- فسيأتي تفصيله عند شرح الفقرة التاسعة عشر من هذا الدعاء.
_______________________
(1) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, ب19, ح2.
(2) الكافي: للشيخ الكليني, ج2, باب في قلة عدد المؤمنين, ح4.
(3) سورة آل عمران: 124-125.
(4) بحار الأنوار: للعلاّمة المجلسي, ج52, باب 26, ح83.
(5) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, باب13, ح44.
(6) المصدر السابق, ج1, ص237-238.
(7) ظ: موجز دائرة معارف الغيبة: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه), 67/ 431.
(8) ارشاد القلوب: للديلمي,ج2, ص286.
(9) ظ: تجليات معرفية في الخطاب المهدوي, ح16.
اللّهم أيّده وأتباعه بجندك, وأنصره بنصرك, بحق أكرم الخلق عليك.
اخترنا لكم
تجليات الأنس الزينبي..
كيف يكون هناك انس دنيوي وانس برزخي وانس أخروي في الاقتداء بالسيدة زينب عليها السلام؟ الأنس من أنس إلى فلان، أنس بفلان: سكن إليه وذهبت به وحشته ، ألفه وارتاح إليه(1) والأنس يقابل الوحشة، وهو سرور وانشراح النفس بالمحبوب، وسكينة واطمئنان القلب بالمرغوب، وانسجام العقل وارتياحه للمطلوب. وتختلف طبيعة المأنوس به من شخص لآخر تبعاً لاختلاف الرؤى والميول والرغبات فضلاً عن الاختلاف الفكري والمعرفي والنفسي بينهم، فالبعض يأنس بالشهوات والملذات من أطعمة وألبسة وما إلى ذلك وهو أدنى أنواع الأنس، فيما يأنس من تكون نفسه ألطف ومشاعره ارهف بالمناظر الطبيعية الخلابة وبالزهور وتأمل البحر مثلاً، في حين أن المهتم بتغذية العقل والمنطق يأنس بالعلم والمعرفة فتجده يلتذ كلما فهم مسألة جديدة، ويمتع قلبه وعقله في بساتين السطور قاضياً برفقتها أوقاتاً سعيدة، وأما الأولياء فلا يأنسون إلا بالله (تعالى) والسبيل المؤدي إليه. ومقام الأنس به (جل وعلا) من أعلى مقامات اليقين، لا يصله أيُّ أحد من العالمين، إنما هو مقام يقتصر على الأوحدين؛ لأنه مقام يكمن فيه الرضا التام الذي لا يشوبه اعتراض، والسعادة الخالصة التي لا يكسرها حزن، والقوة الحقيقية التي لا يساورها وهن، والعزة الكاملة التي لا يعتريها ذل. ومن أوضح مصاديق من بلغ هذا المقام الرفيع هم الرسول الأكرم محمد وعترته الطاهرة (عليه وآله أفضل الصلاة والسلام)، لا سيما السيدة زينب (سلام الله عليها) التي نعيش ذكرى أسرها بعد مصابها بأعزتها (عليهم السلام)، فهي بالرغم من كل ما واجهته من نوائب، وما ألّمتها من مصائب، وما وقع في الطف من مواقف مفجعة، وما تلتها من أحداث مروِّعة، إلا أنها لم تنسَ صلاة الليل وهي بعدُ لم يمر على فقدها لأحبتها سوى سويعاتٍ قليلةٍ بل وأحالت تلك الليلة الغاية في الوحشة بسبب فقد الأهل والأحبة إلى ليلة أنس بأحب الأحبة، ولا غروَ في ذلك، أليست هي بنت من توَرمت قدماها من قيام الليل، وبنت من أقام في ليلة الهرير صلاة الليل؟! أليست هي ذات الإيمان الصلب الذي لم تزعزعه مصائب كربلاء على شدة قسوتها ولم تنل معركة الطف من قوته قيد أنملة على شدة ضراوتها؟! وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):"من خرج من ذل المعصية إلى عز الطاعة آنسه الله عز وجل بغير أنيس وأعانه بغير مال" (2) كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):"ما من مؤمن إلا وقد جعل الله له من إيمانه انسا يسكن إليه، حتى لو كان على قلة جبل لم يستوحش"(3) ومن علامات بلوغ هذا المقام السامي هو الالتذاذ بالطاعات، والشوق إليها ومراقبة موعد حلولها في الأوقات، والوحشة من الناس والنزوع الى مناجاة الحبيب في الخلوات، والتسليم التام لكل ما يقضي به رب الأرض والسموات، وإن كان مخالفاً لطبع النفس وما جُبِلت عليه من رغبات. ولو تأملنا بكل تلك الصفات، لوجدناها مجتمعة في فخر المخدرات، فقد خطفها التذاذها بالطاعات من بين كل تلك الأحداث الأليمة، لتصلي صلاتها وتجدد في نفسها القوة والعزيمة، وهي التي رفعت طرف جثمان خامس أهل الكساء، قائلةً: "ربنا تقبل هذا القربان" مسجلةً بذلك أرقى صور الرضا والتسليم للقضاء.. تلك هي العظيمة الحوراء زينب (عليها السلام) وذلك هو أنسها في الحياة الدنيا الذي أمدّها بالقوة والتصميم على تحقيق الهدف من القيام الحسيني، وبالرضا والتسليم للقضاء الإلهي. فحريٌّ بمن تقتدي بها –بل بمن يقتدي بها- أن تحقق ذلك الأنس ولا تنثني لصروف الدهر ولا لما تمر به من شدة أو عسر. ومن الجدير بالذكر أن الأنس بالله (تعالى) في الحياة الدنيا ينعكس على العوالم التي تليها، وبعبارة أوضح: أن الأنس الدنيوي يثمر أنساً برزخياً وأنساً أخروياً. فأما الأنس البرزخي فيكون بمؤانسة الأرواح المؤمنة لبعضها البعض في ذلك العالم، فقد روي عن حبة العرني أنه قال: "خرجت مع أمير المؤمنين عليه السّلام إلى الظهر أي ظهر الكوفة فوقف بوادي السلام كأنّه مخاطب لأقوام فقمت بقيامه حتّى أعييت ، ثمّ جلست حتّى مللت ، ثمّ قمت حتّى نالني مثل ما نالني أوّلا ، ثمّ جلست حتّى مللت ، ثمّ قمت و جمعت ردائي فقلت : يا أمير المؤمنين إنّي قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة ، ثمّ طرحت الرّداء ليجلس عليه . فقال عليه السّلام لي : يا حبّة إن هو إلاّ محادثة مؤمن أو مؤانسته، قال : قلت : يا أمير المؤمنين و إنّهم لكذلك ؟ قال عليه السّلام : نعم و لو كشف لك لرأيتهم حلقاً حلقاً محتبين يتحادثون. فقلت : أجساد أم أرواح ؟ فقال عليه السّلام لي :أرواح ، و ما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلاّ قيل لروحه : ألحقي بوادي السلام ، و انّها لبقعة من جنّة عدن"(4) فهذه الرواية تدل على أنس المؤمنين ببعضهم في عالم البرزخ، بل والتحاقهم بوادي السلام الذي هو بقعة من جنة عدن. كما أكدت كتب الحديث أن عمل الإنسان يؤثر تأثيراً كبيراً في قبره فإما أن يجعله روضة من رياض الجنان أو حفرة من حفر النيران، والاقتداء ببنت سيدة النساء زينب الحوراء (عليهما السلام) بلا شك يثمر في عالم البرزخ روضة من رياض الجنان وأنساً برزخياً. وأما أثر هذا الاقتداء في عالم الآخرة فواضح وضوح الشمس، لأنه إن لم يثقل كفة الحسنات فإنه يسهم في تحصيل الشفاعات، إذ من تجعل الصديقة الصغرى قدوة لها في حركاتها وسكناتها إن لم ترد الجنان بفضل الله (تعالى) فإنها بلا ريب ممن تستحق شفاعة أهل البيت (عليهم السلام)، وفي كلتا الحالتين لا تعدم الأنس الأخروي سواء بالتنعم بنعيم الجنان أو بمصاحبة الأهل والأحبة، أو بالتنعم برؤية الصفوة الطاهرة (عليهم السلام)، أو ببلوغ مقام الرضوان الالهي وذلك أعلى درجات الأنس الأخروي. قال (تعالى):" وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)"(5) مما تقدم يتضح جلياً أن المواظبة على طاعة الله (تعالى) تثمر الأنس به (جل وعلا)، وأن الأنس به في الدنيا يورث الأنس في البرزخ وفي الآخرة، وقد جسدت لنا الحوراء زينب (عليها السلام) الأنس بالله (تعالى) في الدنيا في أجلى صوره، وبذلك يكون الاقتداء بها محققاً للأنس في العوالم الثلاث الدنيا والبرزخ والاخرة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المعجم الوسيط (2) ميزان الحكمة ج1 ص235 (3) المصدر السابق (4) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ج1 ص228 (5) التوبة 72 رضا الله غايتي
اخرى
مذكراتُ كأسِ الخليفة!
بقلم: عبير المنظور شفاف أنا كقطرات الندى، وجميل المنظر وجيد الصنع، مما جعلني المفضل لدى مَلِكٍ ادّعى لنفسه أنّه خليفة المسلمين، يجالسني دائماً ويشاركني لحظات فرحه ومرحه، كنت أسقيه وأرويه كثيراً، وكان نهماً لا يرتوي من شراب أسقيه إياه، كنت لا أفارق يده ابداً حتى انه كان ينام وهو ممسك بيدي! يا لَسعادتي الغامرة، فأنا من ندماء الملك وسمّاره المقربين، والذي لا يتخلى عني أبداً. كان يحبني ويرشفني كثيراً وكنت أحبه ايضاً، ولملازمتي إياه عرفت كثيراً من أسراره وجميع ما يدور حوله، ما يفكر، ما يقرر، كل شيء حتى أنفاسه بتُّ أستطيع عدها. وفي يوم من أيام ملازمتي له، غضب من أحد أعدائه، وكان يبغضه كثيراً ويحاول أن ينقص من قدره مهما استطاع الى ذلك سبيلاً، وكان يتحيّن له الفرص أو يلفّق له بعض التهم لأذيته وأذية أصحابه ومن والاه وقتلهم بأبشع الطرق لمجرد شكّه أنهم من أتباعه، حقيقة لم أكن أعرف شخص عدوه ولكنني كنت أسمع حديث الملك عنه، بأن هذا الرجل ينازعه ملكه على عرش قلوب الناس وكرسي خلافتهم، كنت أسمع ذمه من خلال الجنود الأتراك الذين استولوا على سدّة الحكم، وباتوا متحكّمين في كل مفاصل الدولة، حتى سمعتُ الملك ذات مرة وهو يستشيط غضباً بأن يحضروا له عدوه على الحال الذي يجدونه عليه؛ لأنه يدبر له المكائد والمؤامرات، وأنه يجمع المال والسلاح في بيته ليثور ضده... وانتظرت وصول عدوه لأراه عن قرب، من هذا الذي يشغل بال الملك ويمنعه من الرقاد؟ وبينما كان الملك في مجلس لهوه يحملني ويشرب بي الخمر، واذا بجماعة من الرجال يخبرونه بوصول عدوه وأنه وجدوه في بيته جالساً على الرمل والحصى يتلو القران وأنهم لم يجدوا في بيته غير مصحف القران، فأذن له بالدخول... مرّتْ لحظات وكأنها ساعات عليّ لأرى من يكون هذا الرجل، جاؤوا به، رمقته من بعيد فاضطربت أحوالي وتسارعتْ نبضات فؤادي! فلم أجد الصورة التي كنت أرسمها له في مخيلتي، وجدته رجلاً عليه سيماء الصالحين، بهيّ الطلعة، تشع الأنوار من محيّاه الكريم إضافة إلى دقة وبلاغة منطقه، وكان يلبس مدرعة من صوف، احترت في أمره، ترى أي رجل يكون؟ وأي سر يجذبني إليه؟ قطعَ صوت الملك سلسلة أفكاري الشاردة حينما أمره أن يشرب الخمر، ولكن الرجل امتنع عن ذلك قائلاً: (وَاللهِ مَا خَامَرَ لَحْمِي وَدَمِي قَط ، فَاعْفِنِي) فأعفاه، ثم أمره أن ينشده شعراً فقال: (أنا قليل الرواية للشعر)، فأرغمه الملك على ذلك، فقام الرجل وسط ذلك المجلس بكل هيبة وإجلال قائلاً: باتوا على قللِ الاجبـال تحرسُهـم *** غُلْبُ الرجالِ فلم تنفعهمُ القُلـلُ و استنزلوا بعد عزّ عـن معاقلهـم *** و أودعوا حفراً يا بئس مـا نزلـوا ناداهمُ صارخٌ من بعد مـا قبـروا *** أين الاسرّةُ و التيجـانُ و الحلـلُ أين الوجوه التـي كانـتْ منعمـةً *** من دونها تُضربُ الأستارُ و الكللُ فافصـحَ القبـرُ عنهم حيـن ساءلـهـم *** تلك الوجوه عليهـا الـدودُ يقتتـلُ قد طالما أكلوا دهراً و ما شربـوا *** فأصبحوا بعد طول الأكلِ قد أكلوا كنتُ أستمع مدهوشاً لبلاغة ذلك الرجل وفصاحته، شعر وعظ به الملك اللاهي العابث بأبيات تتكلم عن غرور الحكام الظالمين وتغطرسهم في مجلس الملك وفي نشوة سكره... هنا حلّ صمت مطبق على الجميع ،وكأن على رؤوسهم الطير، لا أعلم ان كان للاعتبار من الموت أو للتفكير في مصير هذا الرجل الصالح بعد هذه الموعظة... وانا كنت أفكر بالأمرين معاً، حتى قطع هذا الصمت بكاء الخليفة المتوكل، والرجل لا زال يكمل أبياته : و طالما عمّـروا دوراً لتُحصنهـم *** ففارقوا الدورَ و الأهلينَ و ارتحلوا و طالما كنزوا الأموال و ادّخروا *** فخلّفوها على الأعـداء و انتقلـوا أضحت منازلُهـم قفـراً معطلـةً *** و ساكنوها الى الاجداث قد رحلوا سـل الخليفـةَ إذ وافـت منيتـهُ *** أين الحماة و أين الخيلُ و الخـولُ اين الرماةُ أمـا تُحمـى بأسهمِهـمْ لمّا أتتـك سهـامُ المـوتِ تنتقـلُ أين الكماةُ أما حاموا أما اغتضبوا *** أين الجيوش التي تُحمى بها الدولُ هيهات ما نفعوا شيئاً و ما دفعـوا عنك المنية إن وافى بهـا الأجـلُ فكيف يرجو دوامَ العيش متصـلاً *** من روحه بجبالِ المـوتِ تتصـلُ لم أسمع سوى بكاء الخليفة وجميع الحاضرين، تساءلتُ في نفسي: بماذا سيعاقب الملك هذا الرجل؟ فقد تعلقت به كثيراً، فنظرتُ للملك الذي ابتلّتْ لحيته من الدموع وأمر بإطلاق سراح الرجل، ثم نظر إليّ نظرة غريبة ورماني على الارض وبقي يومه متعكر المزاج... ومنذ تلك اللحظة بتُّ أكره الملك وتعلّقتُ بالرجل الذي كان يدعى: الإمام علي الهادي إمام الرافضة... لحظة قلبت الموازين عندي أنا الجماد، فكيف بالبشر؟! كنت أتمنى أن يرميني الملك فعلاً وأبتعد عن لعبه ولهوه، لم أكن أعرف ان هناك من يمتلك هذا النور الساطع والهيمنة على القلوب والارواح على البشر والجمادات، عرفت حينها ان لهذا الرجل سرًا مع الله، وانتظرتُ عقاب الله للمتوكل على ما فعله من انتقاص لقدر هذا الرجل المقدس والتنكيل بشيعته، ولم يطلْ انتظاري كثيراً حتى رأيت ذلك اليوم بعيني، كنتُ حينها بيد الملك [الخليفة] المتوكل في مجلس لهو وسكر كالعادة مع وزيره الفتح بن خاقان وعساكر الاتراك يحيطون به من كل جانب لحمايته، واذا بابن الملك: المنتصر بالله، وبالتآمر مع بعض القادة الاتراك دخلوا عنوة وقتلوا المتوكل والفتح بن خاقان وتناوشوهما بسيوفهم، فسقطتُ من يد المتوكل وتحرّرتُ من كابوسه المرعب، ولكنني بدأت بالتهشّم من جميع أجزائي وأحسستُ بقرب أجلي فتذكرتُ موعظة الامام علي الهادي (عليه السلام) في هذا المجلس قبل فترة وكم أثرّتْ موعظته فيّ أنا كأس الخليفة... وعجبتُ لقلوب هؤلاء البشر كيف لم تتأثر بأنوار ذلك الرجل العظيم؟!
اخرى
إنَّ مَعيَ رَبّي
قال تعالى: ( فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين، فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وأزلفنا ثم الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه أجمعين، ثم أغرقنا الآخرين، إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم) الآيات الشريفة تختصر لنا قصة الإنسان الذي يوكّل أمره إلى الله تعالى، ولا يرى في الوجود قوة فوق القوة الإلهية القاهرة ... يقترب جيش فرعون بكل جبروته وطغيانه وحقده، فيتراءى الجمعان؛ جمع فرعون وجمع موسى (عليه السلام) ويدنو بعضهم من بعض، وهنا يتزلزل قوم موسى ويأخذهم الخوف والفزع وتبلغ القلوب الحناجر ويعلو صوتهم {إنا لمدركون} سيدركنا جنود فرعون، سوف نُقتَل ونُعذَّب. وهنا وبكل اطمئنان، وبكل ثقة وإيمان بقضيته يقولها نبي الله موسى {كلا} لن يدركونا ولن يصلوا إلينا ولن ينالوا منّا ! عجيب هذه الثقة وهذا الاطمئنان.. ليس أمامهم إلّا البحر المتلاطم الأمواج وليس لديهم وسيلة ليركبوا بها البحر، ومع ذلك {كلا}! وليس لديهم سلاح أو ذخيرة أو جيش لمواجهة هذا الجيش المدرّب والمجهّز بكل أنواع السلاح في وقته والمملوء حقداً وحنقاً عليهم، ومع كل ذلك {كلا}! فعلى أي شيء أنت معتمد يا كليم الله في ثقتك هذه وإيمانك بعدم الوصول إليك وإلى قومك؟ ولأنّ قومه أيضاً سيطرحون نفس أسئلتنا ويستغربون بنفس طريقتنا؛ قال لهم مباشرة بعد قوله {كلا} قال: {إنّ معي ربّي سيهدين} إنها معية الحفظ، إنها معية النصرة، فربّي هو الحافظ لي وربّي هو الناصر لي ... فكيف لا أثق بأنّ ربي سيهديني إلى طريق النجاة ؟ وكيف لا أطمئن بأنّ ربي سيدلني إلى طريقٍ لا يدركني فرعون معه؟ ومباشرة وبدون أي تأخير تأتي الهداية الإلهية لطريقة الخلاص ويأتي النصر الإلهي الموعود:{فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثمّ الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين}. نصرٌ إلهي ليس في حسابات مَنْ حساباتهم مادية محضة، نصرٌ إلهي خارج توقعات مَنْ توقعاتهم محدودة بحدود تفكيرهم الضيق، وفي هذا عبرة لنا إذا أردنا العبرة، وفي هذا آية لنا لو كنّا نؤمن بالآيات، فالله تعالى هو العزيز المنتقم من أعدائه وهو الرحيم بأوليائه. أحمد الحسناوي
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى