تشغيل الوضع الليلي

قالتْ نملةٌ!

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 1836

بقلم: حنان الزيرجاوي
جلست مع صديقتها ورفيقة عمرها وتوأم روحها بعد الانتهاء من درسٍ أخلاقي في حوزةٍ نسوية في مدينةٍ صغيرة.
نعم، فهي كانت دائمًا تميل إلى مُجالستها والتحدث معها في شؤونٍ كثيرة لتقاربِ أفكارهما وسلوكهما ونظرتهما للحياة، فكانت الواحدة منهن تُصغي للأخرى...
تتمعنُ في جميلِ كلامها وحُسنِ منطقها وكأنّها تشمُّ عبيرَ حروفِها التي تنسابُ رويدًا رويداً، لترسم لوحةً يعجز عن وصفِها الواصفون وينبهر من معانيها العارفون.
فالتفتت إحداهن إلى نصفها الثاني وهي تقول لها: واخجلتاه ... واخجلتاه!
فبادرتْها الأخرى بِتعجبٍ: ولِمَ كُلُّ هذا الخجل؟ وممن تخجلين ونحن لم نعمل شيئًا يُمكن أنْ نخجلَ منه؟
ــ نعم ... نعم، هذا الذي تقولينه صحيحٌ عندما يتعلق الأمرُ بتعاملنا مع مَن حولنا، ولكن أ سمِعتِ ماذا قالت أستاذتنا اليوم؟
وأيّ قصةٍ شَنّفتْ أسماعَنا بها؟ ومَنْ كان بطل هذه القصة؟
ــ نعم ... سمعتُ كلَّ ذلك، وما الغريبُ في الأمر؟ فدائمًا تستشهد أستاذتُنا بقصص القرآن للعبرةِ والموعظة.
ــ نعم ... نعم ... ولكن عندما كانت تسردُ علينا القصة وعِبرتَها شعرتُ بخجلٍ لا يوصف وأنا أكلم نفسي: "نملةٌ عرجاء تُنذر قومها وتُرشدهم إلى النجاة من الهلاك، وتؤدي ذلك الدور في حياة جنسها؟! .. هُنا شعرتُ بالخجل من الله (تعالى)، نعم، خجل من ربي وأنا أحدِّثُ نفسي أهكذا يكون دور الأنثى في المجتمع؟
فهلْ يا ترى أدّينا دورَنا كما ينبغي؟
هل كنا فعلًا كما قال الشاعر:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتْها أعددتَ شعبًا طيبَ الأعراقِ
ونحنُ في خضم هذه المُتغيرات في عالمنا، هل أدّينا دورنا في تنشئة هذا الجيل بصورةٍ تجعل منهم يعرفون معنى العبادة وسرَّ لذتها؟
فالمرأةُ تقع على عاتقِها مسؤوليةٌ كبيرةٌ في إصلاح المجتمع في بيتها وفي عملها وفي علاقتها.
هل نبّهنا بناتِنا إلى ذلك؟
هل رسمنا لهن طريق الحياة بأسسٍ صحيحة؟
فالمرأة هي الأمُّ وهي الأختُ وهي الزوجةُ وهي رفيقةُ العمرِ وهي جوهرةُ المنزلِ إنْ صلُحت، ودمارُ الأسرة إنْ فَسُدت.
هل نبَّهنا فتياتِنا إلى خطر الغزو الثقافي الذي يتعرضن له؟
هل بنينا جسور الثقة بيننا وبينهن؟
وهل؟ وهل ؟
وكانت رفيقتُها تُصغي بكلِّ جوارحها وهي ترددُ... واخجلتاه!

اخترنا لكم

ما كذَّب الفؤادُ ما رآى

حينما عُرج برسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) إلى السماء رأى ما لم يره ملك مقرّب، ولا نبي مرسل، حتى أخذ البعض يماريه على ما رآه، كما تخبرنا سورة النجم المباركة. وهنا تنقدح عدّة أسئلة في ذهن قارئ القرآن حينما يقرأ تلك السورة، ومن هذه الأسئلة: -كيف رأى النبي ربّه؟ -هل الله تعالى في السماء؟ -ماذا فوق السماء السابعة؟ -ما معنى الآية {ولقد رآه نزلةً اخرى}؟ -وهل يمكن أن نرى الله تعالى؟ -ماذا لو قلنا: إنّ الله تعالى جسم لا كالأجسام؟ ففي مقام الجواب نقول: نعم النبي محمد (صلى الله عليه واله) رأى ربّه لكن رؤية قلبية وليست بصرية. وركزت الروايات على السماوات؛ لأن فيها ملكوت الله تعالى، وملائكته المختصة بشؤون مخلوقاته، وليس الله سبحانه بذاته موجود فيها؛ فهو سبحانه موجودٌ في كلّ مكان، وهذه عقيدة الشيعة الامامية فقط، بدليل الآية الكريمة: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}(١). وجاء في التوحيد، بإسناده إلى محمد بن الفضيل قال: "سألت أبا الحسن (عليه السلام) هل رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ربه عز وجل؟ فقال: نعم بقلبه رآه، أ مَا سمعت الله عز وجل يقول: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ لم يره بالبصر ولكن رآه بالفؤاد"(٢). فالدليلان متعاضدان يؤديان معنى واحداً مفاده: نفي كون الله تعالى في السماء، ونفي رؤيته رؤية بصرية؛ لأنّه لو كان في السماء للزم أن لا يكون في الأرض، وهذا ينافي صريح آية (وهو معكم أينما كنتم). بل يلزم منه الجسمية والمحدودية، وهي خلاف وجوب الوجود. وهكذا لو أمكن رؤيته بصرياً للزم أن يكون جسماً، والجسم مركب من أجزاء، وبالتالي يكون محتاجاً لأجزائه، والاحتياج صفة المخلوقات وليس من صفات الخالق الغني المطلق. ويقول العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) في تفسيره: "ثم أنّه لا بدع في نسبة الرؤية (وهي مشاهدة العيان) إلى الـفؤاد، فإنّ للإنسان نوعاً من الإدراك الشـهوديّ وراء الإدراك بإحدى الحواس الظاهرة والتخيّل والتفكّر بالقوى الباطنة كما إنّنا نشاهد من أنفسنا أنّنا نرى، وليــــست هذه المشاهدة العيانيّة إبصاراً بالبصر ولا معلوما ًبالفكر، وكذا نرى من أنفسنا أنّنا نسمع ونشم ونذوق ونلمس، ونشاهد أنّنا نتخيل ونتفكّر، ولــــيست هذه الرؤية ببصر أو بشيء من الحواس الظاهرة أو الباطنة. فإنّا كما نشاهد مدركات كل واحدة من هذه القوى بنفس تلك القوة كذلك نشاهد إدراك كل منّا لمدركها وليس هذه المشاهدة بنفس تلك القوة بل بأنفسنا المعبّر عنها بالفؤاد. كما أنّه ليس في الآية ما يدل على أنّ متعلّق الرؤية هو الله سبحانه وأنّهُ المرئيٌّ للنبي (صلى الله عليه وآله)، بل ما رآه النبي (صلى الله عليه وآله) هــو الأفـق الأعلى والدنو والتدلي"(٣). وقد يشتبه قارئ القرآن بقرائته لقول الله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ بأنّ هذه الآية كررت رؤية النبي (صلى الله عليه وآله) لربه مرة اخرى، إلاّ أنّ اشتباهه في غير محله، ولابد من الرجوع إلى التفاسير المعتبرة والاستضاءة بمراد الله سبحانه من كل كلمة في كتابه. جاء في تفسير :النزلة بناء مرة من النزول فمعناه نزول واحد، وتدل الآية على أن هذه قصة رؤية في نزول آخر والآيات السابقة تقص نزولًا آخر غيره [غير النزول الأول لجبرائيل على النبي عليهما السلام وعلى الآل الكرام]. فالنزلة نـزول جـبريل عليه (صلى الله عليه وآله) ليعرج به إلى السماوات"(٤). ولعل سؤال السائل انطلق من آية: ﴿عند سدرة المنتهى﴾ ظناً منه أنّ منتهى السماء السابعة مكان يوجد فيه الله تعالى وهو ما يسمى بسدرة المنتهى ! لكن ظنه يمكن أن يؤدي به إلى نسبة الجسمية لله تعالى حينما يقول (عند سدرة المنتهى)، وهذا ضربٌ من ضروب الكفر بالله تعالى والعياذ به، بل روي "عن أبي جعفر الجواد عليهما السلام أنه قال: من قال بالجسم فلا تعطوه من الزكاة ولا تصلوا وراءه"(٥). وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام): "أنه ليس منا من زعم أن الله عز وجل جسم ونحن منه براء في الدنيا والآخرة"(٦). لذا نكرر ونقول: لابد من الرجوع إلى تفسير الآيات، وعدم أخذها على ظاهرها. جاء في تفسير الآية: ﴿عند سدرة المنتهى﴾ حيث فسرت العندية بأنها "ظـرف للـرؤية لا للنزلة، والمراد برؤيته رؤيته [جبرائيل] وهو في صورته الأصلية. والمعنى: أنّه [جبرائيل] نزل عليه [النبي] (صلى الله عليه وآله) نزلة أخرى وَعــَرج به إلى السماوات وتراءى له (صلى الله عليه وآله) عند سدرة المنتهى وهو في صورته الأصلية. وقوله تعالى: ﴿عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ السدر فسر في الروايات أيضا بأنّها شـجرة فـوق السماء السابعة إليها تنتهي أعمال بني آدم. وقوله: ﴿عندها جنة المأوى﴾ أي الجنة التي يأوي إليها المؤمنون وهي جنّة الآخرة"(٧). ___________________ (١) الحديد: ٤. (٢) التوحيد: للشيخ الصدوق، باب الرؤية، ح١٧. (٣) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي، سورة النجم. (٤) المصدر نفسه. (٥) التوحيد: للشيخ الصدوق، باب الرؤية، ح١١. (٦) المصدر نفسه، ح٢٠. (٧) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة الطباطبائي، سورة النجم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمدٍ والصفوة الميامين. علوية الحسيني

اخرى
منذ 7 سنوات
7988

حوارٌ مع النسيم!

بقلم: أريج الانتظار كان يمشي وحيدًا، والحزنُ يعتصرُ قلبَهُ، لا يشعر ببهجةٍ تُفرِحُهُ، فقدَ كلَّ طعمٍ لملذّات الدنيا، قادته قدماه بالقرب من شاطئ البحرِ ليلًا، كان كلُّ شيءٍ هادئًا هناك، لا صوتَ سوى صوتِ الموج، ونسيمُ الهواء يأتي بتردداتٍ متواليةٍ حاملًا معه نغماتِ الطيور المهاجرة.. هو محتاجٌ للحديثِ أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، لا يستطيعُ البوحَ ولا الصبرَ على كلِّ هذا الصخب في عقله وهذه الكلمات في جوفه، فقرّر أنْ يتكلم بكلِّ ما بخاطرَه لعلّه يستريح من حملِ هذه الأحرف أو لعلّه يجدُ جوابًا مقنعًا أو حلًا لمشكلته. لم يجدْ أحدًا غير النسيم الذي يملأ صداه ما حوله، فتأمل لبرهةٍ تقلُّباتِ الأمواجِ والأضواء البعيدة على شاطئ الضفةِ الأخرى، أخذ شهيقًا فزفيرًا وقال بصوتٍ منخفض: هل تستطيع أنْ تُجيبني? لم يردْ عليه أحدٌ، كرّرَ السؤالَ بصوتٍ أعلى بقليل: هل من أحدٍ يستطيع أنْ يرد عليّ سؤالي? لا صوتَ، ولا جوابَ، وبعد لحظات ... سمعَ صوتًا: أنا أسمعُك... قال للصوت مستغربًا: من أنت? أجاب الصوت: تحدّث، أنا هنا، أستمعُ لكلِّ من يأتي للحديث. قال في نفسه: أحقًا يسمعُني النسيم! وقال للصوت: هل تفهم لغتي? أجاب: نعم. قال: قُل لي من أنت? أجاب: أنا نسيمُ البحر. قال له مندهشًا: أحقًا تسمعني?! أجاب: أسمعُك جيّدًا. قال له: هل تستطيعُ أنْ تُجيب على كلِّ من يأتي هنا، وتعطي إجاباتٍ مقنعةٍ لمن يسألك? النسيم: في بعض الأحيان أُفلِحُ في ذلك. قال له: لأجرب أنا أيضًا، لعلك تسعفني بإجاباتٍ ناجعة. النسيم: تفضلْ على الرحب. قال: قد مللتُ من كلِّ شيءٍ في هذا العالم، لا أستطيعُ أنْ أتقبله هكذا، ومن دونه الحياةُ صعبةٌ جدًا لا طعم لها. النسيم: من تقصد؟ من دون من?! قال: سيّدي، سيّدُ هذا الزمان. لم يُجِب النسيم، وبقيَ صامتًا . قال له: ألم تعرفه? النسيم: ومن لا يعرفُ سيّده وإمامه ؟! قال له: أنتَ لستَ من بني آدم، فهل رأيتَه يومًا? هل مرَّ من هنا? هل مررتَ بالقرب منه يومًا? هل لامستْ نفحاتُك طرفَ ثوبه? هل امتزجَ عطرة مع نفحاتك? أرجوك أجبني.. النسيم: في أيامٍ مضت كان لديَّ شعورُك هذا تمامًا، ولم أستطعْ صبرًا على حالي وشوقي له وللقياه والتبرك بعطره الطاهر ونسيمه المقدس الذي يحمل عبير الجنان، وتساءلتُ كثيرًا: هل ألتقي به يومًا ولو من بعيد؟! لذا قرّرت السفر لأماكنَ شتى، يكثرُ وجوده فيها، بحثتُ، وانتظرتُ، وسألت الكثير، ولم يُجِبني أحدٌ، فرجعتُ إلى هنا والحزنُ رفيقي.. حتى جاء شخصٌ يومًا على ضفافِ هذا البحر الذي أنت واقفٌ أمامه الآن... قال له: تسارعتْ دقاتُ قلبي، هل كان هو? ? أجبني. النسيم: لم أكن أعرفه، كان حزينًا، وكان وجهُه يشعُّ نورًا. جاءني هنا فجرًا وبيده كتابٌ، أخذ يقرأ كلماتٍ أو طلاسمَ أو دعاءً لم أفهمها جيدًا، وعيناه تمطران دمعًا كأنّه لؤلؤ البحر يتساقطُ على وجنتيه. خطر لي أنْ أكلّمَه فترددتُ، وبعدها قررتُ أنْ أسأل النسيم الذي كان حوله .. فقلت له بعد السلام: من أين أنتم? ومن هذا السيد؟ هل لك أنْ تُعرّفني به أجابني: أخي نحنُ غرباء هنا، هذه ليست بلادنا، نسكنُ بلادًا بعيدةً، وقد جئنا هنا للعمل، أنا تعلقت بهذا الرجل وأصبحت ألازمه أينما ذهب؛ لأنّه رجلٌ تقيٌ من علماءِ الدين. قلت له: وما هذا الذي بيده? قال: كتابٌ لتجديد العهد لسيّده. قلت له: ومن هو سيّده? قال: صاحبُ هذا الزمان، أمير الأكوان، ابن سيّد الأنام، الحجة القائم (عجل الله فرجه) عندما سمعت منه هذه الكلمات كِدتُ أنْ أضمحل مع ذرات الهواء لفرط الشوق الذي غمرني حين سمعت اسمه المقدس ... قلت له: هل سيّدك قد حظيَ بلقاء سيّده يومًا يا تُرى؟! قال: لا أدري، لكنّه يتردد على مكانٍ مشهورٍ في بلادنا باسم سيدي الحجة (عجل الله فرجه). قلت له: هل لك أنْ تدلّني عليه? قال: إنّه مسجدٌ يُسمى "جمكران" بعد ذلك نهض السيّد وودّعني النسيم وذهبا... فعزمتُ على الذهاب إلى المسجد الذي ذكره... وبعد أيامٍ وصلتُ إلى حيث يوجد "جمكران" محط شوقِ القلبِ، ومملكة أمير القلوب وسلطانها... لا أستطيعُ أنْ أصِفَ لك هيبة ذلك المكان وشموخ أركانه وجمال الأريج الذي يأتي منه ليمتزج بكلِّ النسيم الذي يطوف حوله... مكثتُ هناك أيامًا، انتظرُ حول بابه الأمامي، لعلي أحظى خلالها بلقائه، كنتُ أستمع لتراتيل القرآن الكريم ولأذكار السحر والفجر العذبة، كنتُ أرجو نظرةً واحدةً ولمرةٍ واحدةٍ فقط وكان نسيمُ الفجرِ هناك مختلفًا جدًا؛ لأنّه نسيمٌ من الجنة ... تعرّفتُ بعدها على نسيمِ المسجد العبق... ولم أفصح له عن غاية وجودي، كتمتُ هذا الأمر لحين وصولي لمبتغاي ... وذات يومٍ قد تزيّن المسجد بحلةٍ أنيقةٍ جدًا، وبأنواع الزهور ذات الألوان الزاهية، كأنّه يتجهّز لحفلٍ بهيٍ، أو للقاء أحدٍ جليل، كان الكلُّ مبتهجًا, والسرور يغلب على الجميع وقد كُتِب على أعلى الباب (ولادة الأقمار). أذكر كان شهر شعبان قد أقبل، وولادة أنوار بيت فاطم (عليها السلام) سيسطع ضياؤها للأكوان، ومضت ليالي شعبان الخمسة الأولى مكللةً بمحافلَ ملكوتيةٍ في رياض المسجد، وفي الليلة الخامسة عشرة منه كان نسيمُ المسجدِ العبقُ مشغولًا جدًا ولم أرَه منذُ أيامٍ، صادفته يدخل الباب، فتوقف حين لمحني وراح يقتربُ منّي .. وقال: هل لك أنْ تدخل معي؟ قلت له: لِمَ لا أدخل؟ هل لديك ما تفعله في الداخل؟ قال: نعم، تعالَ معي. دخلنا إلى المصلى في داخل المسجد، كان واسعًا جدًا.. قلت له: إنّي لم أرَ أكبر من هذا المسجد، فهو ذو مساحةٍ كبيرة. قال لي: لكي يصلي خلفَ الإمام (عجل الله فرجه) كلُّ أصحابه، فصُمِّم لكي يسعَ عددهم جميعًا... تجوّلنا في كلِّ أنحاءِ المسجد، وارتفعنا إلى خارجه فوق التلال التي تحيطه، حتى وصلنا إلى مكانٍ فيه صندوقٌ قديمٌ جدًا، قد مُلِئ أوراقًا، دخل إليه النسيم العبق وخرج مسرعًا.. قلت له: ما هذه الأوراق؟ أجاب: إنّ هذه رسائلُ يكتبها الزوار إلى الإمام الحجة (عجل الله فرجه) قلت له: وهل تصلُ إليه؟ أجاب: بكلِّ تأكيدٍ نعم. قلت له: ومن يُوصلها? أجاب: هذا من وظيفةِ المسؤول عنها ... وانصرفنا إلى طريق العودة، و قبل أنْ نصل وجّهتُ نظري إلى الصندوق، فلم أرَ أيّةَ ورقةٍ في داخله! حينها علِمتُ أنّها وظيفته ولم يشأ أنْ يبوح بذلك... وكان حينئذٍ قد سبقني ولم أستطع اللحاق به... فقلتُ في نفسي: هذه الليلة حتمًا سيأتي سيّدي إلى هنا، فهي ليلةُ شروق الشمس من خلف السحاب، لعلّي أراه وأطفئ نار الشوق التي تكاد أن تفنيني بدأ الحفل مبكرًا وتم إشعال الشمع في كلِّ مكانٍ، بدا المكان كأنّه سماءٌ مُلأت نجومًا تنتظرُ بدرها أنْ يطلَّ عليها مكتملًا لتقتبس من نوره الدُرّيّ... وفي لحظةٍ مرَّ نسيمٌ فاح عطره الأخّاذ في كلِّ الأرجاء، لم يمرْ عليّ في وجودي عطرٌ يُشبهه أبدًا، و نظرتُ إلى المكان القريب من المنبر وإذا بنورٍ يسطعُ اخترق المسجد نحو السماء، بدا كشمسٍ أشرقت وسط ظلام الليل الحالك وعمّت الصلوات المحمدية المكان وحجب النور الرؤية عنّي، ولم أتذكر شيئًا بعدها .. وعندما أفقتُ أدركتُ أنّه هو لا غيره، كان النسيم الذي يحملُ عطره، كان مع سيّدي الحجة (عجل الله فرجه) في المسجد عند المنبر يستقبلُ تهاني مواليه ومحبيه، ويدعو لهم ويستقبل هداياهم بقضاءِ حوائجهم.. في تلك الليلة وذلك اليوم، كانت ولادتي للحياة، لقد رأيتُ النور الذي جعلني أبصر قلت له: هنيئًا لك، ادعُ لي لأرى النور وتُبصر عيناي اللتان اجتاحهما العمى بسبب ما اقترفته من ذنوبٍ تحجب حبيبي عني وتبعدني عنه، لا تنسني عندما تذهبُ إلى هناك مرةً أخرى... وفجأةّ أحدٌ ما يكلمني: لماذا أنت هنا؟ هيّا انهض... فتحتُ عيني، وإذا أنا مُلقى على الشاطئ، والشمسُ تكادُ أنْ تُشرق، وشخصٌ ما يُكلِّمني: لقد تأخرتَ على موعدك... هيّا قُم ... نهضتُ مسرعًا ألملمُ حالي ودعكتُ عينَي لأرى بوضوحٍ فلم أرَ أحداً حولي ... فقط وجدتُ ورقةً كُتِب عليها ثلاثًا ... العجل العجل يا مولاي يا صاحب الزمان.

القصص
منذ 6 سنوات
1928

رسالاتٌ في زمن الوباء (٨) إفراغُ الذمّة

بقلم: علوية الحسيني إنّ اللهَ (سبحانه وتعالى) كلّف عبادَه بالتكاليفِ العبادية، كلٌ حسب استطاعته؛ للوصول بهم نحو الكمال، فعلى التكليف يُثيب، وعليه يعاقب، لذا على العاقل أنْ يُتقِنَ ذلك التكليف، كالصوم والصلاة والحج والزكاة والخمس. لا شك أن البعض منّا ذمتُه مشغولةٌ بتكاليفَ لم يؤدِها في وقتها -لعذرٍ أو من دون عذر-. والبعضُ منّا ينشغل بالتكليف المستحب، ويترك الواجب الذي في ذمته، ظنًا منه أنّ ثواب العمل المستحب أفضلُ من ثوابِ الواجب، والبعضُ الآخرُ يتعذّرُ بأعذارٍ واهية إنْ قيل له: (أفرغ ما في ذمتك)؛ كعذر عدم توفر الوقت لديه، أو إنّه سيقضي ما في ذمته حين وصوله مرحلة الشيخوخة فيتفرّغ للعبادة. ها هي فرصةٌ ذهبيةٌ قُدّمتْ إلينا، زادتنا وقتًا فوق وقتنا، وذكّرتنا أكثر بآخرتنا، وأيقظتنا أسرع من غفلتنا، وهي فرصةُ الحجرِ المنزلي جرّاء الوباء العالمي (كوفيد19). رسالتُنا اليوم ليست مشحونةً بالطاقةِ السلبية، بل هدفُها التنبيهُ على ضرورةِ إدراكِ وجوبِ إفراغِ الذمة من التكاليف التي عليها. وإدراكِ إنّ الدنيا دارُ ممرٍ، وليست مقرًا، فينبغي الاستزادةُ منها لدارِ الخلد، فلابُدَّ من توقُّعِ الموت، وهذا أمرٌ لا مفرَّ منه، فإنْ فررنا من تذكره اليوم، سيواجهُنا حتمًا يومًا ما، وهذه سُنّة الحياة الدنيا. يقولُ الإمامُ علي (عليه السلام) في خُطبةٍ له: "فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَـلٍ مِنْهَا فَاعْلَمُوا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ عَنْهَا وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلَا يُدْعَوْنَ رُكْبَانًا وَأُنْزِلُوا الْأَجْدَاثَ فَلَا يُدْعَوْنَ ضِيفَانًا ...اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْنًا وَبِالسَّعَةِ ضِيقًا وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةً وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً فَجَاؤوهَا كَمَا فَارَقُوهَا حُفَاةً عُرَاةً قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقِيَة"(1) . لذا ينبغي علينا التمهيد لقبورنا؛ بإفراغ الذمم، وعدم الانهماك في الاشتغال بالدنيا وملهياتها. فيا من بدنياهُ اشتغَل قد غرَّهُ طولُ الأمل الموتُ يأتي بغتةً والقبرُ صندوقُ العمل وعليه، لابُدّ من معرفةِ أنّ قضاءَ التكاليفِ واجبٌ شرعيٌّ كما التكليف؛ لذا سنُسلِّطُ الضوءَ على إجمالي الأحكام المُتعلقة ببعضِ التكاليف،ضمن النقاط التالية: ■النقطة الأولى: قضاءُ الصلاة فالصلاةُ الفريضةُ يجبُ قضاؤها إنْ تركَها المكلفُ بعد بلوغه، أو تركَها عن عمدٍ أو نسيان، أو لعدمِ التطهر لها؛ روي عن زرارة، عن الإمام الباقر (عليه السلام): "أنه سُئلَ عن رجلٍ دخل وقتُ الصلاة - إلى أنْ قال - فنسيَ أنْ يُصليها حتى ذهبَ وقتُها؟ قال[الإمام]: يُصليها"(2). ويذكرُ أنّ لقضاء الفوائت من تكليفِ الصلاة أحكامٌ ميسرةٌ مذكورةٌ في رسائلِ المراجع لمن شاء المراجعة. وتكفي الإشارة إلى نقاط تحكي اليسر في قضاء الصلاة، هما: ▪️أولًا: بإمكانِ المكلفِ أنْ يصلي القضاء من صلواته في أيِّ وقتٍ شاء، دون التقيّد بزمنٍ دون آخر. ▪️ثانيًا: ما فات المكلفُ قصرًا يجبُ قضاؤه قصرًا،ولو كان في الحضر، وما فاته تمامًا وهو في مدينتِه يجبُ قضاؤه تمامًا ولو كان في سفر(3). ▪️ثالثًا: يُستثنى من القضاء أيامُ العذر الشرعي بالنسبة للنساء. ▪️رابعًا: لا يُشترطُ الترتيبُ في قضاء الصلوات الفائتة إذا كانت من أيام مختلفة، أما اذا كان القضاء من يومٍ واحدٍ فيجبُ الترتيبُ بين الصلوات المرتبة بالأصل كالظهرين والعشاءين(4). ▪️خامسًا: يمكنُ للمكلف أنْ يستفيدَ من (تطبيق فرائضي) في تنظيم القضاء، فهو نافعٌ للغاية(5). ▪️سادسًا: بإمكانِ المكلف أنْ يقتصرَ على الواجبات، ويترك المستحبات؛ كأن: 1/ يترك الأذان والاقامة, "فتركهما لا يضر(6). 2/ بعد النيّة القلبية يكبّر تكبيرة الاحرام مرّة واحدة(7). 3/ يقرأ سورة الفاتحة وسورة قصيرة(8). 4/ القنوت يقول فيه سبحان الله (مرة واحدة) ويمكنه الترك"(9). 5/ الركوع يقول فيه: سبحان ربي العظيم وبحمده (مرة واحدة)، أو سبحان الله (ثلاث مرات)، أو الحمد لله (ثلاث مرات)، أو الله أكبر (ثلاث مرات)(10). 6/ السجود يقول فيه: سبحان ربي الأعلى وبحمده (مرة واحدة)، أو سبحان الله (ثلاث مرات)، أو الحمد لله (ثلاث مرات)، أو الله أكبر (ثلاث مرات)(11). 7/ التسبيح في الصلاة الثلاثية والرباعية: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (مرة واحدة)(12). 8/ التشهد يقول فيه: أشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، واشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمد(13). 9/ التسليم يقول فيه: السلام عليكم(14). ▪️سابعًا: بالنسبةِ لقضاء صلاةِ الآيات، إذا لم يعلمْ عدد الصلوات التي لم يُصلِّها عند حصول الآية، يكفي الإتيان بالعدد الأقل. ▪️ثامنًا: الأولى أنْ يقضيَ الجميع عن الميت، لتفريغِ ذمته –إن أوصى-، وإن كان الأحوط وجوبًا أنْ يقضيَ عنه الولد الذكر الأكبر بشروط خاصة مذكورة في الرسائل العملية"(15). ■النقطة الثانية: قضاءُ الصوم وكذا قضاءُ الصومِ لا يخلو من ثوابٍ عظيم، وفرصةُ قضاء الصوم في هذا الزمن ممكنةٌ، وهذه بعضُ أحكامه الإجمالية: 1/ اذا كان المكلف واثقًا من غير ترددٍ بعدمِ وجوبِ الصوم ولم يَصُم، فعليه القضاء فقط دون الكفارة، مع دفعِ فديةِ تأخير القضاء- إن أخره لأكثر من سنة- وهي ثلاثة أرباع الكيلو من الطحين، أو نحوه عن كلِّ يومٍ تُعطى للفقير المُتدين. "وأما إذا كان إفطاره مسامحةً منه، فتجبُ الكفارة، وهي صوم شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا لكلِّ مسكينٍ ثلاثةُ أرباع الكيلو من الطحين أو نحوه، مع فديةِ التأخير(16). وفديةُ تأخير القضاء هي "ثلاثة أرباع الكيلو من الطحين أو نحوه عن كلِّ يومٍ تُعطى للفقير المتديّن. ولا يجزئ دفع المال بدلًا عن الطعام. [نعم, يُمكنُ إعطاءُ المال لمكتب سماحة السيّد السيستاني (دام ظله) بعنوان الكفارة أو الفدية وهم يشترون الطعام ويسلِّموه الى الفقير، أو يُعطى للمؤسسات الخيرية المُخوّلة، كمؤسسة العين]. وإذا عجز المكلف عن كفارةِ الصومِ المُخيّرة، فعليه التصدّق بما يُطيق، ومع تعذر التصدّق عليه الاستغفار، ولكن إذا تمكَّن بعد ذلك لزمه التكفير على الأحوط(17). ■النقطة الثالثة: دفعُ الخمس الخمسُ فريضةٌ عباديةٌ على الأرباحِ المالية والعينية، ولها شروطُ وضوابطُ كباقي الفرائض. وممكنٌ أنْ نسلطَ الضوءَ على إجمالي أحكامه: 1/ يجبُ على وليّ الأمر خمسُ أموالِ الصبي أو الصبية، ويجبُ على كلِّ مكلّفٍ ومكلّفةٍ الخمس إنْ كانا بالغان. 2/ يجبُ الخمسُ في كلِّ ما يزيدُ على المؤونة لسنةٍ كاملةٍ، سواء كان مالًا أو أشياءً غير مستعملة، والأحوط وجوبًا تخميس الأشياء التي استُعمِلت واستغنيَ عنها المكلف قبل السنة"(18). 3/ مَن كانت له مهنةٌ يجبُ عليه أنْ يضع لنفسه رأسَ سنةٍ خمسية، وفيها يحسبُ ما يزيدُ على مؤونته. وإذا لم تكنْ له مهنةٌ فكلُّ فائدةٍ سواء كانت مالاً أو عينًا (أشياء غير مستعملة) إذا مرت عليها سنة كاملة يجبُ عليه تخميسها"(19). 4/ خمسُ الأغراضِ يكونُ بالقيمة الحالية لها. 5/ للمصالحةُ مع الحاكم الشرعي، والحصولُ على تفاصيل أكثر بإمكانِ المكلف الاتصال على مكتب سماحة المرجعية العليا(20). ■النقطة الرابعة: حقوقُ الناس حقوقُ الناسِ إمّا ماليةٌ؛ كأخذِ أموالٍ منهم عمدًا أو سهوًا، ولا يمكنُ إرجاعها لهم. أو معنويةٌ كأخذ غيبتهم، وبالتالي تشتغلُ ذمةُ المكلفِ بهذه الحقوق، وتكليفُه هو إفراغ ذمته؛ للحصول على رضا ربّه، قبل أنْ يعاجلَه موته. وممكنٌ إفراغُ الذمة في هذه الحالة من خلالِ مجمل هذه الأحكام: 1/ إذا أخذ المكلفُ مالًا من غيره، بدَينٍ أو عمدًا، ولم يستطعْ إيفاءَه، فيكفي بأن يُلقيَ المال في حديقةِ دارِ صاحب المال. أو يُعطيه المال ولا يجبُ عليه إخباره عن سبب دفع المال(21). بشرط أن يطمئن أن المال وصل ليده. وممكنٌ استثمار فترة الحجر المنزلي في زمنِنا هذا وإلقاء المال في حديقةِ دارِ كلّ من له حقٌ ماليٌّ علينا، فسُبحانَ الذي يسخّر الأسباب لبلوغ رضاه. 2/ إذا أذنب المكلف بالغيبة، أو سمعها دون أنْ ينصرفَ عنها أو يدافعَ عن المغتاب، فيجبُ عليه التوبة والندم، والأحوط استحبابًا الاستحلال من الشخص المغتاب ــ إذا لم تترتبْ على ذلك مفسدةٌ كأن يتخاصمان ــ أو الاستغفار له. بل لو عدّ الاستحلال تداركًا لما صدر منه من هتكِ حرمةِ المغتاب فالأحوط لزومًا القيامُ به مع عدم المفسدة. ولا يجبُ أنْ يعرفَ المغتاب متعلقَ إبراءِ الذمة وأنَه عن أيِّ شيءٍ يحلله، إلاّ اذا كان هناك قرينةٌ على عدم شمول الإبراء لمثل الغيبة المذكورة. ●والظاهر أنّه يكفي في الاستغفار مرةً واحدة؛ فقد ورد في الروايات إنّ الله (سبحانه وتعالى) ﻻ يغفر لصاحب الغيبة إلاّ أنْ يغفر له المغتاب، فممكنٌ أنْ يستغفرَ له في صلاة الليل بركعة الوتر ضمن الأربعين مؤمنًا المستغفَر لهم"(22). ولعلَّ ما يسودُ زمننا اليوم من تذكّر الموت بصورةٍ شبه مستمرة يؤدي بالكثير منّا أنْ يُبرءَ ذمم الآخرين، في قبالِ أنْ يبرؤوا ذمته دون السؤال عن السبب؛ لاعتقاد أنّ بني آدم غير معصومين، وإنّ التراحمَ فيما بيننا قد يكون بابًا للفرج بالنجاة ولو من هذا الوباء المتفشي. ولا ننسى أنّ الغفلة عن تلك الحقوق تُقلِّلُ من درجةِ تعظيم الله (سبحانه وتعالى)، واليقظة نورٌ يخترق تلك الغفلة، فهلاّ تيقظنا؟!. *خلاصة الرسالة: ينبغي الالتفات إلى قضاء حقوق الله (سبحانه وتعالى) والعباد، وليس أحدُنا يضمنُ حياته غدًا. _____________________ (1) نهج البلاغة: خ111. (2) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج8,أبواب قضاء الصلاة, ب1, ح1, ص253. (3) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني, ج1, المقصد السابع م721. (4) المصدر نفسه, م724. (5) تطبيق فرائضي: https://play.google.com/store/apps/details?id=alkafeel.net.sallati (6) موقع مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله. (7) المنهاج, كتاب الصلاة, ف2, م585. (8) المصدر السابق: ف4, القراءة. (9) المصدر السابق: ف11, م 664. (10) المصدر السابق: ف5, الأمر الثالث. (11) المصدر السابق: ف6, الأمر الثاني. (12) المصدر السابق: ف4, م625. (13) المصدر السابق: ف7, في التشهد. (14) المصدر السابق: ف8, في التسليم. (15) المصدر السابق: المقصد السابع, م737. (16) المصدر السابق: كتاب الصوم, ف3, كفارة الصوم. (17) المصدر السابق: ف7, م1050-1051. (18) المصدر السابق: كتاب الخمس, ما يفضل عن مؤونة سنته. (19) موقع مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله. (20) يمكن للمكلف الاتصال بمكتب سماحة السيد - دام ظلّه - في النجف الأشرف للإستفسار من خلال أحد موكليه. (21) ظ: موقع مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله. (22) ظ: موقع مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله. اللهم لا تخرجنا من الدنيا إلاّ وأنتَ راضٍ عنّا.

القضايا الاجتماعية
منذ 6 سنوات
2552

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
89554

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
80512

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
61872

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
52588

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
49254

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
46798