تشغيل الوضع الليلي
عمائم شرف/ ح ٥
منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 1513
بقلم: غدير خم حميد
الشيخ سالم العبادي
وطني العراق.. هلا انحنت هاماتكم ***فلتربه في كل شبر مأثرة
جاء العدو لكي يدنس أرضه *** فلنصره قامت أُلوف ناصرة
حشد بفتوىً سار أنعم منهما *** فتوى الكرامة والجنود الحاضرة
ولحوزة العلم الأبي تنافسٌ *** نحو الدفاع.. عيونهم متساهرة
هذي عمائمنا الشريفة أنها *** نحو الشهادة بالدماء مفاخرة
من عمائم الشرف المباركة التي تضمخت بدمائها أرض الوطن فصارت علمًا من أعلامه: الشهيد السعيد الشيخ (سالم جاسم لفتة العبادي)، من مواليد ١٩٧٣م في محافظة ميسان/ حي السلام، من عائلة طيبة ملتزمة مقاوِمة، عملت على مقارعة النظام البائد، كانوا من سكان مدينة الاهوار، لكن وبسبب بطولاتهم وجهادهم ضد النظام السابق تعرضوا للتهجير بشكل متكرر ومستمر من مدينة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر، فكان آخر سكناهم في مدينة العطاء والشهداء مدينة البصرة، تمكن الشهيد من إنهاء الدراسة الابتدائية والمتوسطة ولكن ظروف المعيشة الصعبة والملاحقة المستمرة منعاه من إكمال التحصيل الأكاديمي.
له باع كبير في النضال والجهاد ضد النظام حتى تم اعتقاله وحكم عليه بالسجن لمدة ست سنوات بتهمة مقارعة النظام سياسيًا، لكنه لم يتخل عن معتقداته وآبائه، وبعد خروجه من السجن تزوج وُولد له اثنان من الأولاد.
عُرِف عنه أنه كان طيب القلب، حسن السيرة والسلوك، واسع الصدر، بَشِر الوجه بشوشاً، ومن أهم ما اتسم به هي غيرته على الدين والمذهب، لذا وبمجرد أن سنحت له الفرصة حتى التحق بصفوف إحدى الحوزات العلمية في البصرة: حوزة خاتم الرسل (صلى الله عليه وآله)، ليتمكن من تحصيل علوم الدين وتلقيها ونشرها بين الناس، إذ كان ينشرها من خلال دوره في الخطابة فقد كان صاحب صوت شجي حزين يحيي به مصائب أهل البيت (عليهم السلام)، وشخص أبي النفس عظيم كهذا وبمجرد سماعه لفتوى الجهاد الكفائي المقدس لبى مسرعًا ساعيًا لحماية الأرض والعرض والذود عن المقدسات، فكان أول التحاقه في منطقة اليوسفية، وقد كان مستبسلًا في الدفاع، قويًا في القتال كما أنه كان يقاتل بسلاحه الشخصي، غير أن بطولاته وتواجده لم يكن على الصعيد العسكري فحسب بل كان يشارك في التعبئة المعنوية والتوجيه العقائدي للمجاهدين كأبٍ وأخٍ لهم...
شارك الشهيد السعيد في تحرير العديد من المناطق من أدناس داعش الإرهابي ومنها: الكرغول وعرب جاسم، وكان آخرها جبال حمرين إذ استشهد فيها بتاريخ ٦-٥-٢٠١٥م، وكانت إصابته في رأسه، إذ قضى شهيدًا مع ابن عمه الشهيد (حيدر حسين العبادي)، وبقيَت الاجساد المباركة لهذين الشهيدين البطلين في أرض المعركة إلى يومنا هذا، مما دفع أهل منطقتهم الى إقامة تشييع رمزي لهما عرفانًا بفضلهما ورثاءً لسيرتهما العطرة، وقد أوصى الشيخ الشهيد بأمور عدة أهمها الالتزام بالصلاة، وكأنه يريد أن يوضّح لنا بأنها عمود الدين ونجاة المسلمين، كما أوصى بقراءة القرآن فهو أنيس القلوب ونور الدروب، وأوصى أيضًا بالتمسك بطريق الإمام الحسين (عليه السلام) ومنهجه المبارك، أما أولاده فقد أوصاهم برعاية والدتهم وكأنه يذكرهم بأن الجنة تحت أقدامها، وطلب منهم بعد اكمال الدراسة الأكاديمية أن يلتحقوا بصفوف الحوزة العلمية المباركة من أجل تحصيل العلوم الدينية، هكذا رحل (سالم) بسلام، مخلفًا في جبين الحق والإنسانية بصمات مجده وجهاده المستمر منذ الصغر، فالسلام عليك يوم جاهدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيًّا ورحمة الله تعالى وبركاته.
اخترنا لكم
الأبعاد العقائدية في أدعية السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) دعاء طلب تفريج الهموم والغموم نموذجًا
بقلم: دينا فؤاد الحلقة الثانية المبحث الثاني الأبعاد العقائدية في دعاء طلب تفريج الهموم والغموم مفهوم الأبعاد العقائدية في اللغة والاصطلاح الأبعاد لغة: (جمع بُعد، والبعد: اتساع المدى. أبعاد مسألة: أهمية، مظاهر عمليّة). (39) والعقيدة في اللغة: (العقد: الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل، وعقد البناء، ثم يستعار ذلك للمعاني نحو: عقد البيع، العهد، وغيرهما، كقوله تعالى: {عقدت إيمانكم} (40). (41) وأما العقيدة اصطلاحاً: (هي القاعدة الفكرية التي ينطلق منها الإنسان إلى الحياة، لأنها ترسم له خارطة تحركه الحضاري وفق نظام حياتي عملي ناجح يقوده في النهاية إلى ما ينشد من الكمال اللائق به). 42 دعاء طلب تفريج الهموم والغموم في الصحيفة الفاطمية تعد الصحيفة الفاطمية إحدى الآثار الدعائية المهمة، والتي يعجز عن بيانها فطاحل البلغاء، وهي إحدى الموسوعات الدعائية المهمة بالإضافة إلى الصحيفة العلوية والسجادية، وقد اعتبرت الصحيفة الفاطمية من أشرف الصحف، وقد قام الكرام الكاتبون بتسجيلها في كتبهم المطبوعة. (43) ويعد دعاء طلب تفريج الهموم والغموم أحد أدعية الصحيفة الفاطمية، وعند التأمل في هذا الدعاء نجد الكثير من الأبعاد العقائدية، وفيما يلي نص الدعاء: " اللهم إني أتوجه إليك بهم، وأتوسل إليك بحقهم العظيم، الذي لا يعلم كُنهه سواك، وبحق من حقهُ عندك عظيمٌ، وبأسمائك الحسنى وكلماتك التامات التي أمرتني أن أدعوك بها، وأسألك باسمك العظيم الذي أمرت إبراهيم ـ عليه السلام ـ أن يدعو به الطير فأجبته. وباسمك العظيم الذي قلت للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فكانت، وبأحب اسمائك إليك، وأشرفها عندك، وأعظمها لديك وأسرعها إجابة، وأنجحها طلبة، وبما أنت أهلهُ ومستحقهُ ومستوجبهُ وأتوسلُ إليك، وأرغبُ إليك، وأتصدقُ منك، وأستغفرك وأستمنحك، وأتضرعُ إليك يديك،، وأسألك وأخضع بين وأخشع لك وأقر لك بسوء صنيعتي، وأتملقك وألح عليك، بكتبك التي أنزلتها على أنبيائك ورسلك، صلواتك عليهم أجمعين، من التوراة والإنجيل والقرآن العظيم، من أولها إلى أخرها، فإن فيها اسمك الأعظم، وبما فيها من أسمائك العظمى أتقرب إليك، وأسألك أن تصلي على محمد وآله، وأن تفرج عن محمد وآله وتجعل فرجي مقروناً بفرجهم (وتقدمهم في كل خير) وتبدأ بهم فيه، وتفتح أبواب السماء لدعائي في هذا اليوم، وتأذن في هذا اليوم وهذه الليلة بفرجي، وإعطائي سؤالي وأملي في الدنيا، فقد مسني الفقر، ونالني الضر، وسلمتني الخصاصة وألجأتني الحاجة، وتوسمت بالذلة، وغلبتني المسكنة، وحقت عليّ الكلمة، وأحاطت بي الخطيئة، وهذا الوقت الذي وعدت أوليائك فيه الإجابة. فصل على محمد وآله، وأمسح ما بي بيمينك الشافية، وأنظر إلي بعينك الراحمة، وادخلني في رحمتك الواسعة، واقبل إلي بوجهك الذي إذا أقبلت به على أسير فككته، وعلى ضال هديته، وعلى جائز أديته، وعلى فقير أغنيته، وعلى ضعيف قويته، وعلى خائف أمنته، ولا تخلني لقاء عدوك وعدوي، يا ذا الجلال والاكرام. يا من لا يعلم كيف هو، وحيث هو وقدرته إلا هو، يا من سد الهواء بالسماء، وكبس الأرض على الماء، واختار لنفسه أحسن الأسماء، يا من سمى نفسه بالاسم الذي به تقضى حاجة كل طالب يدعوه به. وأسألك بذلك الاسم، فلا شفيع أقوى لي منه، وبحق محمد وآله محمد (أسألك) أن تصلي على محمد وآل محمد، وان تقضي لي حوائجي، وتسمع محمداً وعلياً وفاطمة، والحسن والحسين وعلياً ومحمداً، وجعفراً وموسى، وعلياً ومحمداً وعلياً، والحسن والحجة ــ صلواتك عليهم وبركاتك ورحمتك ــ صوتي، فيشفعوا لي إليك وتشفعهم في، ولا تردني خائباً، بحق لا إله إلا أنت، وبحق محمد وآل محمد، وأفعل بي "كذا وكذا" يا كريم. (44) الأبعاد العقائدية في دعاء طلب تفريج الهموم والغموم هناك العديد من الأبعاد العقائدية في دعاء طلب تفريج الهموم والغموم للسيدة الزهراء (عليها السلام)، وفيما يلي توضيح لبعض هذه الأبعاد. 1- التأكيد على أن التوسل عبادة توحيدية: الذي نريد أن نثبته في هذا البعد هو أن التوسل والتوجه بالوسائل والوسائط التي جعلها الله لخلقه هو التوحيد التام، فالتوحيد التام يكون من خلال انصياع العبد وخضوعه أمام الأبواب التي جعلها واسطة بينه وبين العبد. (45) وهذا ما أكدته الزهراء (عليها السلام) في دعائها، حيث ابتدأت مستهل الدعاء "اللهم إني أتوجه إليك بهم، وأتوسل إليك بحقهم العظيم"، فالتوجه والتوسل بالواسطة التي نصبها الله لخلقه (الرسول وأهل بيته) هو التوحيد التام، فبهم يقبل الدعاء، وبواسطتهم تقع الإجابة. وهناك الكثير من الأدلة القرآنية الدالة على أن التوجه والتوسل بالوسيلة الذي جعلها الله للبشر، ومنها قوله تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً} (46)، فالله سبحانه قرن قبول الاستغفار والمجيء إليه بالمجيء إلى الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأئمة أهل البيت هم نفس الرسول، فيكون المجيء إلى الأئمة وتقديم في الدعاء هو المجيء لله تعالى، فتقبل هذه العبادة أي الدعاء، وتستجاب دعوة صاحبها. 2- الترسيخ الروحي والعقدي لقضية أهل البيت (عليهم السلام): يأتي في الحلقة التالية إن شاء الله تعالى. _______________ 39. العطية، مروان، معجم المعاني الجامع، مادة أبعاد. 40. سورة النساء، الآية: 33. 41. الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، مادة عقد. 42. طارق محمد علي، عقائدنا الواجب معرفتها على كل مؤمن، ح2، ص4. 43. ينظر، الكجوري، الخصائص الفاطمية، ص43. 44. محمد باقر مرتضى، الصحيفة الجامعة لأدعية سيدة نساء العالمين، ص24ـ26. 45. ينظر، التميمي، قيصر، الإمامة الإلهية، ج4، ص30. 46. سورة النساء، الآية: 64.
اخرى
خواطر تائب
بقلم: صفاء الندى - كفى إخلاداً إلى الأرض، لم يخلُقني الله تعالى لهذا... -لا تستطيع الفَكاك مني، أنا أنت وأنت أنا -لستِ وحدكِ من يُعيق انعتاقي وخلاصي من هذا التسافل ولكنكِ الأقرب لي والأصعب.. - ومن يشاركني بإغوائك واضلالك؟! -هناك ابليس أيضًا.. -قالت ضاحكة: ابليس هو الآخر صريع ألاعيبي وخُدعي.. - ليتكِ تتركيني أُراجع نفسي لوحدي وبصفاء نية، اذهبي بعيدًا عني... - كيف لا يمكنني ذلك؟ أنا حقيقتك أنا صنيعة يديك لا مكان لي أسكن فيه إلّا أنت.. - ألستِ صنيعتي إذن امتثِلي لأوامري الآن أطلب منكِ المغادرة.. - حاضر سيدي سأغادر، على أن لا تُناديني بعد ثوانٍ فقد ملَلْت الذهاب والإياب ولعبة التوبة التي طالما تزعجني بها.. - كلهم يستهزؤون بتَوبتي، الشيطان اللعين وهذه المتكبّرة التي تقول إنها أنا، يا الله أنا أريد حقًا أن أتوب، يا مولاي يا صاحب الزمان أغثني.. آه.. آه لقد أذّن الفجر.. وفي كل مرة أقول إني سأُصلي الصبح بوقتها يخيب مسعاي.. أسهر ليلي أتسامر مع من حولي.. وأتجوّل في هاتفي الحبيب وما يُقدمه لي من منوعات وممنوعات، فإذا حل الفجر نِمتُ مثقلةً روحي منهكةً أعضائي.. كم أنا ضعيف وساذج أيضًا.. لم أعد أحتمل هذا العبث.. فاليوم عندما وقعت -الروزنامة- بيدي وعلمتُ بقرب شهر رمضان اعتصر قلبي ألمًا وخجلًا، تذكرت أني كنت قد وعدتُ الله (جل وعلا) في شهر رمضان الفائت بتوبة نصوح ألتزم بها طوال حياتي.. والذي حصل أني لم أفعل! يا حسرتي كيف سأفِد على ربي في شهر رمضان المقبل بعد أيام وأنا أخلفت وعودي المغلّظة معه؟ وتكفيرًا لهذا الذنب العظيم قرّرتُ وعزمت أني لن أنتظر حلول شهر رمضان لأتوب، بل من الآن.. نعم من الآن… لذا سأقوم مصليًّا الصبح التي اعتدت أن أصليها بوقتها في شهر رمضان فقط، سأُصلّيها الآن.. فما زال الفجر حاضرًا وبكل بهائه ينشر خيوطه الرقيقة في الأفق مناديًا بنا للتعلق بإحداها والنجاة من ملهيات الدنيا الفانية.. أنهى صلاته بكل توجّه وخشوع، سلّم على إمام زمانه، وما أعذب السلام على الإمام بهذا المقام.. جذب شهيقًا بعمقٍ حلّق به مع نسائم الفجر العليلة، وبزفيره الهادئ أخرج كل خاطرة سوء ورذيلة. تذكّرها.. فهي لم تأتِ إليه بعد ثواني كما ظنّت وتبجّحت.. - خاطَبتْه بأدب: أنا لم أتركك لحظة فأنا أنت كما قلتُ لك! ولكن.. كما تريدني يا سيّدي سأكون..
اخرى
تفشي السِّحرُ والشعوذة
تفشي السِّحرُ والشعوذة ____________________ وصلتني رسالة مِن إحدى الأخوات تنقل حال بعض النسوة اللواتي يترددْنَ على أماكن السِّحرِ؛ وهدف الأغلبيّة مِن زيارتهن هو (الحفاظ على ازواجهن لأغراضٍ عديدةٍ). وتمادت البعض منهن إلى الاشتراك مع تلك المرأة المشعوذة بشتّى الأعمال، منها: اخراجُ ميّت مِن قبرهِ وأخذ عيّنة مِن دماغهِ ، بدعوى أنّ السحرَ يكون قوي المفعول لو انعقد بعيّنةٍ مِن دماغِ الموتى!. ومِن تلك الأعمال أيضاً: كتابةُ آياتِ القرآنِ الكريم بالدماء ! والــــــعياذُ بالله مِن الشيطانِ وجنودهِ. ويعتقد الباحثون أنَّ أغلب زبائن المشعوذين من النساء اللواتي يفتقرْن للتعليم، لكن الواقع أن بعضهن يحملْن شهادات عليا، ولا يقتصر الأمر عليهن بل يتعدى إلى العديد من السياسيين والسياسيات، فهذا يدل على تردّد الرجال على تلك الأماكن. ولهذا اقتضت الضرورةُ مناقشة الموضوع من جوانبٍ عديدة، لعلّ وعسى يرعوي أهل الغيّ عن غيّهم ولو بأحد تلك الجوانب. ■مناقشة الموضوع قرآنيّاً: نجد أنّ الله تعالى في كتابه الكريم قد وصفَ السحر ببئسَ العمل، حينما تطرّق لقصة هاروت وماروت بقوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(١). ■مُناقشـة الموضوع روائيّاً: رويَ عن رسول الله صلى الله عليه واله: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر ، ومدمن سحر ، وقاطع رحم )(٢). وعن أمير المؤمنين عليه السلام: (من تعلّم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً فقد كـفر، وكان آخر عهده بربه، وحدّهُ أن يقتل إلاّ أن يتوب) (٣). وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: (الساحر كالكافر في النار)(٤). وروي عنه أيضاً: (أقبلت امرأة إلى رسول الله «صلى الله عليه واله» فقالت: إن لي زوجاً وبه غلظة عليَّ وإنّي صنعت شيئاً لأعطفه عليَّ؟ فقال لها رسول الله « صلى الله عليه واله»: أفٍ لك كدرّتِ البحار، وكدرّتِ الطين ولعنتْك الملائكة الأخيار، وملائكة السماء والأرض)(٥). ■مُناقشـة الموضوع فقهيّاً: لا أحد من الفقهاء يفتي بجواز العمل بالسحر مطلقاً، ومن يراجع الرسائل العمليّة لمراجعنا الكرام سيجد ذلك. فالمرجع الأعلى السيّد السيستاني دام ظله يقول: بأنّ "عمل السحر و تعليمه و تعلمه و التكسب به حرام مطلقا و إن كان لدفع السحر على الأحوط ، نعم يجوز بل يجب إذا توقفت عليه مصلحة أهم كحفظ النفس المحترمة المسحورة ، و المراد بالسحر ما يوجب الوقوع في الوهم بالغلبة على البصر أو السمع أو غيرهما ، و في كون تسخير الجن أو الملائكة أو الإنسان من السحر إشكال ، و الأظهر تحريم ما كان مضرا بمن يحرم الإضرار به دون غيره"(٦). ■مناقشة الموضوع قانونيّاً: قانون العقوبات الجنائي بدوره وضع عقوبةً لفعل ثانوي مترتب على فعل السّحر وهو هتك حرمة الموتى، حيث نصّت احدى مواده على العقوبة بالقول: "يُعاقَب بالحبس مدّة لاتزيد عن سنتين، وبغرامة لاتزيد على مائتي دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين، مَن انتهكَ عمداً حُرمةَ جثّةٍ، إو جزءٍ منها، أو رفات آدمية، أو حسرَ عنها الكفن..."(٧). ___________________ (١) البقرة: ١٠٢ . (٢) وسائل الشيعة. (٣) المصدر نفسه. (٤) المصدر نفسه. (٥) المصدر نفسه. (٦) منهاج الصالحين: السيّد السيستاني دام ظله، ج٢، مسألة ٢٣. (٧) قانون العقوبات العراقي/ رقم ١١١، لسنة ١٩٦٩، المادة ٣٧٤، الفصل الثالث.
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى