تشغيل الوضع الليلي

دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ترسيخ العقيدة المهدوية ووظيفة الخطيبة في ترسيخ الفكر العقيدي في المجتمع (الحلقة الثالثة)

منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 4465

بقلم: دينا فؤاد
المحور الثالث: دور الخطيبة في ترسيخ الفكر العقيدي في المجتمع
الخطابة
لغة: (الخطب: الشأن، والأمر صغر أو عظم،
خطبة. وخطب الخاطب على المنبر خطابة، بالفتح، وخطبة، بالضم، وذلك الكلام: خطبة أيضًا، أو هي الكلام المنثور المسجع ونحوه). (14)
وأما تعريف الخطابة في الاصطلاح فقد وردت فيه تعاريف عديدة ومن أقدمها تعريف أرسطو بأنها: (قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأمور المفردة). (15)
ومما لاشك فيه أن للخطيبة دورًا مهمًا، لأنها تتولى دور الاصلاح والتوعية الدينية من خلال دورها الاعلامي الذي تمارسه والذي ينبغي أن يكون انطلاقًا من قول الامام الصادق (عليه السلام): "احيوا امرنا رحم الله من احيا امرنا".
فالخطيبة تقدم للمجتمع -من خلال خطاباتها- الغذاء الروحي والوعي الكامل من خلال توضيح القضايا التشريعية والعقائدية والاجتماعية، وأيضًا تحدد المسار الذي يجب أن يلتزم به الفرد المسلم بوجه عام والفرد الشيعي المؤمن بوجه خاص؛ لأنها ستقوم بمهمة التحصين العقدي بواسطة تأصيل العقيدة في النفس وتربيتها بإزالة الأفكار الهادمة للنفس والآراء المضلِّة لها، وخاصة التي تبعده عن الطريق الصحيح، فالمجتمع الآن بحاجة إلى ترسيخ في العقيدة الصحيحة؛ لأن هناك الكثير من الصراعات الفكرية التي تحاول النيل من المجتمع بنشر الأفكار الضالة وخاصة في فئتي الشباب والنساء لإبعادهم رويدًا رويدًا عن الدين القيم.
والخطابة تتكون من أسس مهمة وهي: المشافهة والجمهور والاقناع والاستمالة. (16)
وهذه الأسس هي التي ستمهد النجاح للخطيبة إذا ما أحسنت تطبيقها.
لقد أصبحت الخطيبة إحدى المصادر الأساسية التي تبني الشخصية الدينية من خلال توجيه الرأي العام نحو تشكيل الوعي الفكري والثقافي والسياسي، فهي بهذا تكون قد حافظت على الإسلام وبيضته.
فهي تحاول حماية الإسلام من الأفكار التي تحاول نخر جسد الأمة الإسلامية باتخاذ مظاهر الحياة الحديثة. (17) وحفاظها على الإسلام وبيضته يكون ببث المفاهيم الإسلامية وتعاليمها للنساء وخاصة في ما يتعلق بعبادتهن ومعاملاتهن.
وبذلك أصبحت هذه الخطيبة الشيعية وسيلة إعلامية لا يوجد لها نظير بالنسبة إلى غيرها من المذاهب الإسلامية الأخرى.
وقد استمدت الخطيبة دورها الإعلامي من قدوتها السيدة زينب (عليها السلام) إذ كانت أول خطيبة وإعلامية عرفها التاريخ بتصريحها بالقضية الحسينية وبيان طريق الحق الذي هو طريق الإمام الحسين (عليه السلام) من خلال نهضته على الظالمين.
والواقع أن دور الخطيبة ينطلق من إحيائها للدين وترسيخها للقيم العليا التي نص عليها الإسلام.
وأهم القضايا التي تنصب على عاتق الخطيبة في دائرة التوجه الفكري العقدي هي قضية الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) والتأكيد عليها في كل محضر تحضره؛ لأن هذه القضية تحمل أهدافًا ورسالة وتحتاج إلى الوعي بها وإشعال العواطف تجاهها، وفوق كل ذلك تحتاج إلى تيقن الفرد بأنّ نجاته وصلاحه متوقف على صاحب هذه القضية.
ومن هنا يأتي دور الخطيبة بتوجيه النساء إلى مسألة عقائدية كبيرة لدى الشيعة وهي التهيؤ والاستعداد لظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) والتعريف بقيامه المبارك والعلامات التي تسبق ظهوره الشريف وأعماله الإصلاحية التي يقوم بها سواء كانت دنيوية أم أخروية.(18)
وهي بذلك تكون قد ساعدت على إحياء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من خلال نشر علومهم والولاء لهم بالتذكير بحقهم وزيادة حبهم في قلوب الموالين لهم بإظهار مناقبهم وتضحياتهم من أجل الدين.
وإنّ وظيفة الخطيبة لا تنحصر في المحاضرات الدينية والثقافية، بل تشمل الإصلاحات الاجتماعية والإنسانية من تقديم المساعدات لجميع طبقات المجتمع، ولا اقصد بالمساعدات المادية فقط، فهي غير محصورة بها، وإنما هناك العديد منها وبالذات تقديم المساعدة في الإصلاحات النفسية؛ إذ إن لها أثرًا كبيرًا على نفس الإنسان وتصحيح مساره بالشكل المطلوب.
وأيضًا تحاول الخطيبة بذل كل ما في وسعها لحماية هذا المجتمع من الانزلاقات وراء الشبهات التي ينجر لها المجتمع دون وعي أو إدراك، فنحن نرى الكثير من أفراده ينقادون لكل ما يتم طرحه وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من غير فرق بأن يكون ذلك بالمجال الفقهي أو العقائدي ويسلمون له بمجرد أنه صادر من شخصية أو موقع شيعي.
وفي الحقيقة أن هذا يحتاج إلى التفاتة كبيرة من قبل الخطباء بضرورة الاطلاع على كل ما يتم طرحه والتحقيق فيه، وإذا ما تبين بطلانه يجب الإعلام، وهذه مسؤولية كبيرة تلقى على عاتق كل من يتصدى لأن يكون علمًا للمنبر من الخطباء.
ونلاحظ أن واجب الخطيبة تجاه ذلك أكبر؛ لأن طبقة النساء تحتاج إلى جهد أكبر لأن أغلب النساء لا تراعي الاستعلام والتحقيق فيما يصل إليهن، فهن منكبّات على الأمور الملقاة على عاتقهن بدون أن يجعلن لأمور دينهن النصيب الأوفر.
ومن هنا يأتي دور الخطيبة في أن تتعامل بحذق في هكذا أمور، وأن تعالجها بالكثير من الحكمة والصبر، وإرشادهن إلى الطريق الصحيح بلا أن يكون هناك سأم ولا ملل، بل يجب عليها استعمال أسلوب الجذب والترغيب، وطرح هذه القضايا بصورة مفصلة وفي نفس الوقت بأسلوب سلس، وكسب هذه النساء وجرهن إلى الطريق السليم بدون أن يكون هناك أي نزاع أو تعصب.
ومن المسائل التي يجب على الخطيبة بيانها للنساء: مسألة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، فهناك الكثير من المسائل التي نالت من المسلمين ولكن بسبب العزم الكبير من قبل الخطباء الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) المحافظين على تلك المدرسة العظيمة لم يتمكن أحد من المساس بالعقيدة المهدوية لدى الشيعة وأن كان ما طرح حولها كثيرًا.
فقد صدر عن مركز الاستخبارات كتاب للأمريكي مونيكال براينز قد ذكر فيه:
(إن الشيعة لازالوا يحتفظون بفاعلية وحركية تقاوم المخططات الغربية دون بقية المسلمين، وأنّ نداءات يا حسين ويا أبا الفضل العباس قد ألهبت الشارع الجماهيري الشيعي، والشيعة تمثل القطاع الحي والنابض في العالم الإسلامي، وهم أتباع أهل البيت وأتباع سيد الشهداء (عليه السلام) ومن ثم فإنه يقرر أن عنصر قوة الشيعة يتمركز في عزاء الإمام الحسين والارتباط بالإمام الحسين وهو الذي يبعثهم على استرخاص النفس ورفض منطق العدوان والظلم). (19)
ولا ننسى أن الطريق الذي سلكه الإمام الحسين (عليه السلام) مع ما فيه من إصلاحات هو طريق ممهد ومعلن في ذات الوقت لطريق الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ومسيرته واصلاحاته، فيجب على الخطيبة تسليط الضوء على هذه العلاقة وربط كل الوجود بالظهور المهدوي، وتهيئة الموالين لذلك الظهور المبارك وتعميق الاتصال والشعور بين الموالين والإمام المنتظر؛ إذ على يده فرجهم وخلاصهم.
وتهيئة الخطيبة للموالين يكون من خلال حثهم على الدعاء له بالفرج، وتمسكهم بالآداب الخاصة بغيبته الشريفة وإحساسهم بأن الإمام وإن كان غائبًا ولكنه حي وموجود بيننا وهو بحاجة إلينا لكي ندعو له لا فقط بحناجرنا وإنما بقلوبنا، فكيف نتعامل لو غاب عنا من هو عزيز علينا أو سجن ألا نكثر له الدعاء، ألا نفتقده ونفكر فيه طوال الوقت، هكذا يجب أن يكون الحال مع الإمام (عليه السلام)، وذلك من معطيات الاعتقاد بالإمام الحي والتي تمنح المذهب غناء وحيوية وهي غير خافية على من له تأمل وبصيرة. (20)
وإذا ما فعلت الخطيبة ذلك ستكون قد رسخت الفكر العقدي في المجتمع للعقيدة المهدوية، وتكون مكملة لرسالة الإصلاح التي بدأها الرسول (صلى الله عليه وآله) ومن بعده الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وسالكة لطريقهم الذي هو طريق الله سبحانه.


توصيات مهمة للخطيبة
هناك عدة توصيات مهمة يجب أن تتصف بها الخطيبة من أجل الرقي بعملها، وهي التي ستمهد لها الطريق في نجاح عملها كخطيبة، ومنها:
1- الولاء لله سبحانه من خلال الانقياد والتسليم التام لا في مجال دورها كخطيبة فقط وإنما في جميع المجالات، يقول سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}. (21)
2- حسن الخلق وضبط العواطف، وهذه من الصفات المهمة التي يجب أن تتصف بها الخطيبة، فإذا لم تستطع ضبط عواطفه فإنها لن تستطيع إكمال طريقها كخطيبة.
3- أن تتحرر من الأنا، وذلك من خلال الانطلاق في رحلة مسيرها إلى الله سبحانه وترك الاهواء والشهوات التي ترتبط بالذات الإنسانية، وهي وإن كانت رحلة صعبة ولكن عندما يخلص الفرد حبه لله فإن الأهواء الشيطانية سوف تتحلل وتندثر.
4- أن تكون الخطيبة حاكية عن الوحي، فكثيرا ما يقع الإنسان في الخطأ بطبيعته، ولكي تتخلص الخطيبة من الخطأ عليها ان تتمسك بكلام الوحي المنزل على نبينا (صلى الله عليه وآله) فهو الحق القويم، وبه يأمن الشخص من الوقوع في الخطأ والانحراف، يقول سبحانه:{الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}. (22)
5- الصبر على مشكلات العمل، وهذا أمر واقعي يجب أن تتحلى به الخطيبة لنجاح عملها، وبدون الصبر ستكون النتيجة هي الفشل. يقول الله: (ولنجزين الذين صبروا أجورهم بأحسن ما كانوا يعملون). (23)
7- الابتعاد عن مواطن التهمة، وذلك بعدم الثناء على شخص معين أو حزب خاص ودعم الترويج لأي إنسان، والثناء والترويج يكون لله سبحانه ولرسوله ولأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين).
8- إتباع أسلوب إيقاظ الوجدان لكل من تداخل النسيان أو الشك أو الغفلة في إضمار وجدانه، فالإنسان ذو فطرة سليمة يميل إلى الحق وينفر من الباطل، وكما قال تعالى: {فذكر أن نفعت الذكرى}. (24)
9- المرونة في التعامل، وهي إحدى الوسائل التي تعطي ايجابيات كثيرة للخطيبة تصل بواسطتها إلى قلب المتلقي من خلال الإدراك السريع لكلامها بسبب المرونة في تعاملها.
10- اتخاذ الخطيبة أسلوب الترغيب والترهيب، فالمجتمع منقسم إلى أقسام، فالبعض يأتي بالترغيب والبعض يأتي بالترهيب.
الخاتمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبي الرحمة وشفيع الأمة محمد وآله الطيبين الطاهرين.
بعد إتمام البحث والاطلاع على الكثير من الكتب في مجال الإمام الصادق (عليه السلام) والعقيدة المهدوية، توصلت من خلال إدراكي البسيط إلى حجم الغل والعداء المستبطن لدى الكثير من الذين يحاولون إثارة الشبهات حول العقيدة المهدوية لأجل التعريض بالإسلام والمسلمين وخاصة الشيعة، وذلك ظاهر علنا في المؤلفات التي يتم نشرها من قبلهم وبخاصة من المنظمات الاجنبية، والتي تهدف إلى الإساءة وبشتى الطرق وبكافة المجالات إلى الرسول الأعظم وأهل البيت (عليهم السلام)، في محاولة للنيل منهم وبالتالي النيل من الدين الإسلامي بتأكيد القصور فيه لخلوه من الحجة كما يزعمون، وكيف كان الدور الكبير للإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في الدفاع عن الإسلام وعقائده وبالذات العقيدة المهدوية.
ومن خلال هذا البحث تعرضنا إلى الشبهات التي أثارها الإمام الصادق (عليه السلام) لعلمه بأن هناك من سيطرحها مستقبلًا ورده عليها، وإن كان تعرضنا للشبهات والرد عليها كان بصورة مقتضبة لضيق مساحة البحث المسموح بها، وأيضًا الأثر الكبير الذي يأتي من دور الخطيبة في ترسيخ وتأصيل العقيدة المهدوية.
والحمد لله رب العالمين.
____________________________
14ـ ينظر، الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ج1، باب الباء، فصل الخاء.
15ـ ارسطو، طاليس، الخطابة، ص9.
16ـ ينظر، الحوفي، أحمد محمد، فن الخطابة، ص5.
17ـ ينظر، فرأت بعد الحسين كاظم، العزاء الحسيني من خلال وثيقة أمن السلطة في العراق 1974، ص12.
18ـ ينظر، محمد رضا محمد علي، ظهور الإمام المهدي يوم العاشر من محرم، ص2.
19ـ السند، محمد، الشعائر الحسينية فقه وغايات، ج2، ص115.
20ـ ينظر، القمي، عباس، تاريخ الإمام صاحب الأمر والزمان، ص6.
21ـ سورة النحل، الآية:59.
22ـ سورة البقرة، الآية:1-2.
23ـ سورة النحل، الآية: 96.
24ـ سورة الأعلى، الآية: 9.

اخترنا لكم

المطالبة بفدك

الشبهـــة : المطالبة بالحق وإن كان لا إشكال فيه إلا إن مطالبة السيدة الزهراء (عليها السلام) بفدك والإصرار على تحصيلها ممن نزعها منها لا يتناسب وزهدها (صلوات الله عليها) بالدنيا وعدم اعتدادها بنعيمها ولذاتها؟؟ الرد : للرد على ما تقدم نقول : لا منافاة بين مطالبتها (عليها السلام) بفدك وبين زهدها بالدنيا وزخارفها وذلك للأسباب التالية : أولاً : فدك لم تكن حقاً مخصوصاً للسيدة الزهراء (عليها السلام) فقط، بل كان لأولادها الكرام (عليهم السلام) الحق فيها أيضاً، ولذا لم تتساهل في المطالبة فيها لئلا تتسبب في تضييع حقوق الأئمة الكرام (عليهم أفضل الصلاة والسلام) . ثانياً : استولت الحكومة الغاصبة آنذاك على جميع الحقوق السياسية والاقتصادية لبني هاشم، وجردوهم من جميع امتيازاتهم وحقوقهم المادية والمعنوية، إذ لم يصادروا فدكاً وحسب بل والميراث والخمس ـ أي سهم ذوي القربى ـ واعتبروهم كسائر الناس. ومن البديهي أن لا يتمكن بنو هاشم وفي مقدمتهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من المطالبة بحقوقهم التي غُصبت لاسيما في تلك الظروف، ومن هنا تصدت السيدة الزهراء بنفسها للمطالبة بتلك الحقوق المسلوبة يسندها في ذلك ما تتمتع به من فضل وشرف وقرب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جهة، واستناداً إلى أنوثتها وذلك لأن النساء يتمتعن بحرية أكبر من الرجال في مثل هذه المواقف من جهة أخرى.. ثالثاً: أرادت السيدة الزهراء (عليها السلام) أن تكشف الحقيقة البائسة لمن غصب الخلافة وأن تظهر معدنهم الخبيث للناس أجمع ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي على بينة، وأقصر طريق لذلك مطالبتها بفدك، وإلا فهي أجل قدراً وأعلى شأناً من أن تحرص على الدنيا، لا سيما وأنها تعلم بقرب وفاتها.. رابعاً ـ كانت مطالبتها (عليها السلام) بفدك فرصة سانحة للإدلاء برأيها حول الحكومة القائمة، والتصريح به أمام الجماهير ، فقد حضرت دار الحكومة في المسجد النبوي (صلى الله عليه وآله)، وألقت بتصريحاتها الواضحة أمام الجميع وفضحت تلك الحكومة الغاصبة في مركزها وعرّتها من أي شرعية ، مبينة أحقية الامام علي في قيادة الأمة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، حيث قالت في خطبتها: " أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ " (1) وقولها: " وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض "(2).... خامساً : كانت مطالبتها (عليها السلام) بفدك مقدمة للمطالبة بحق الخلافة لزوجها (عليه السلام) ، يشهد على ذلك ما ضمنت خطبتها (عليها السلام) من إشادة ببعلها وتذكير بمواقفه البطولية الفريدة، حيث قالت : " فأنقذكم الله بأبي محمد بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله أو نجم قرن للشيطان، أو فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه (أي علياً) في لهواتها، فلا ينكفي حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيد أولياء الله، مشمراً ناصحاً، مجداً كادحاً، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار، وتنكصون عن النزال، وتفرون من القتال "(3). ولذا أضحت فدك ليست مجرد قرية بل أمست عنواناً للخلافة وللرقعة الاسلامية بأكملها .. وقد أكد هذا المعنى الإمام الكاظم (عليه السلام) عندما حدها لهارون العباسي بعد أن ألحّ عليه أن يأخذ فدكاً، فقال له الإمام: " ما آخذها إلا بحدودها. قال هارون وما حدودها؟ قال: الحد الأول عدن، والحد الثاني سمرقند، والحد الثالث أفريقية، والحد الرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية! فقال له هارون: فلم يبق لنا شيء فتحول في مجلسي "(4)! أي إنك طالبت بالرقعة الإسلامية بأكملها ولم تبقِ منها شيئاً . فقال الإمام: قد أعلمتك أني إن حدّدتها لم تردها. إذن فمطالبتها بفدك كانت في جوهرها مطالبة بإرجاع الخلافة لأصحابها الشرعيين وهم أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة البررة ، وبالتالي فهي مطالبة بحفظ الشريعة السمحاء وصون رسالة السماء والنأي بها عن أن تطالها يد التحريف والتزوير.. ولأن هدفها (سلام الله عليها ) عظيمٌ، فقد أبت إلا أن تنقش على الحجر، مطالبتها بتحقيقه لئلا تُموه حقيقته أو يُعفَى أثره ، ولذا فهي لم تتوجه الى دار أبي بكر، بل اختارت التوجه نحو مسجد أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو المركز الإسلامي يومئذ ومجمع المسلمين كافة. كما اختارت بدقة الزمان المناسب بحيث يكون المسجد غاصاً بالناس على اختلاف طبقاتهم من المهاجرين والأنصار. كما إنها اختارت أن تخرج في جماعة من النساء لتثبت أنها في تظاهرة حقيقية للمطالبة بالحقوق المسلوبة. أضف الى ذلك اختيارها موضع من المسجد لتجلس فيه ، فضرب بينهم وبينها سترٌ، إذ هي فخر المخدرات، وسيدة المحجبات ، عندئذ ألقت خطبتها الارتجالية الاحتجاجية التي ظلّت على مر العصور والأزمان وثيقة إدانة بحق الظالمين ودليل نفاقهم، ومرجعاً يرجع اليه الحائرون لمعرفة الحق وأهله من الباطل وأهله.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الانوار ج29 ص227 (2) المصدر السابق ص229 (3) المصدر نفسه ص237 (4) أعيان الشيعة ،ج4 ، ص47 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
6621

الأمل في المفهوم الاسلامي

*معنى الأمل: هو رجاء الوصول إلى امر يراه المؤمل محبوبا سواء كان من أمور الدنيا أو الآخرة. وهو القوة الدافعة للإنسان الى العمل والباعثة على السعي والمثابرة والاجتهاد بغض النظر عن سلبية الاتجاه الذي يسير فيه المؤمل وإيجابيته . *أقسام الأمل : يتباين الناس من ناحية الأمل فمنهم من ينعدم لديه ومنهم من يطول أمده عنده ومنهم من هو بين هذا وذاك . وبناء على ذلك فقد ذكرت الروايات الشريفة كل تلك الأقسام وحثت على ما ينفع المسلم وحذرت مما يضره منها: القسم الأول: حالة طول الأمل: وقد عرفه آية الله المشكيني بـ(رجاء النيل إلى الملاذ، وتمني الوصول إلى المشتهيات وإن كانت بعيدة المنال من حيث الكم والكيف والمكان والزمان، وهو من أمراض القلب وذمائم صفات النفس ورذائل ملكاتها، وهذه الصفة في الغالب من الغرائز المطبوعة والسجايا المودعة في النفس، تزيد وتتكامل باتباع مقتضاها، وإعطاء النفس في دعوتها مناها)(1) و قد ذمته الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، فقد روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): " ان اخوف ما اخاف على امتي الهوى وطول الامل، فأما الهوى فيصد عن الحق، واما طول الامل فينسي الآخرة " (2). كما روي عن الامام علي (عليه السلام): " لا تفتننكم الدنيا ولا يغلبنكم الهوى ولا يطولن عليكم الأمد ولا يغرنكم الأمل فإن الأمل ليس من الدين في شيء " (3). وقد ذكرت الروايات أيضا بعض الأسباب التي دعت الى ذمه والتي يمكن تلخيص أهمها في : 1 ـ التأثير السيء لطول الأمل على العمل: فهو يدعو المسلم الى تأجيل ما يجب عليه من عبادات ويماطل فيما يجب أن يؤدي من حقوق إتكالا على الأيام أو الشهور أو حتى السنوات القادمة من عمره ناسيا أو متناسيا إن الانسان مخبوء الأجل فلا يعلم لعله يموت غدا، فقد روي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ): "الأمل يفسد العمل ويغني الأجل "(4) و" إياك و طول الأمل فكم من مغرور افتتن بطول أمله وأفسد عمله وقطع أجله فلا أمله أدرك ولا ما فاته استدرك"(5) و " ثمرة الأمل فساد العمل " (6)و " طاعة الأمل تفسد العمل " (7) و "غرور الأمل يفسد العمل " (8) و " من طال أمله ساء عمله " (9) و " ما أطال أحد في الأمل إلا قصر في العمل " (10). 2 ـ طول الأمل ينسي الأجل : إذ إن سكون نفس الانسان الى طول الأمل والبقاء في الحياة ينسيه الأجل والاستعداد له قال أمير المؤمنين (عليه السلام ): " أكذبوا آمالكم واغتنموا آجالكم بأحسن أعمالكم وبادروا مبادرة أولي النهى والألباب " (11) و " ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضرره [يضره] أجله " (12) و " لو رأيتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره "(13) و " من جرى في ميدان أمله عثر بأجله " (14). آثار طول الأمل: لطول الأمل آثار وخيمة ذكرتها بعض الروايات منها: 1 ـ طويل الأمل يبغضه الله: روي عن الامام علي ( عليه السلام ) أنه قال: " إن الله ليبغض الطويل الامل السئ العمل " (15) 2 ـ جماع الشر في طول الأمل روي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قال : " جماع الشر في الاغترار بالمهل و الاتكال على الامل " (16) 3 ـ شقاء طويل الأمل فيما أوصى به النبي (صلى الله عليه واله) عليا (عليه السلام): " يا علي أربع خصال من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وبعد الامل، وحب البقاء " (17) 4 ـ طويل الأمل أحمق روي عن الامام علي ( عليه السلام ) : " من الحمق الاتكال على الامل " وانشد عليه السلام قائلا يا من بدنياه اشتغل وغره طول الامل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل (18) *علاج طول الأمل طويل الأمل يركن الى الحياة الدنيا ويتعلق بها ويبذل أقصى جهده في سبيل إعمارها، فيتشبث بها باعثا طول الأمل في نفسه عدم إنتقاله منها فهو يستبعد الموت، لذا فإن علاجه يكمن في: 1 ـ التأمل والتدبر في حال الدنيا وخستها وزوالها وما جاء من الله تعالى بألسنة رسله وأوصيائه في ذمها والاحتراز عن اتباعها. والتدبر في حال من ملكها من قبله من الملوك والسلاطين الذين سيطروا على الأراضي الشاسعة منها وملكوا ما ملكوا فيها وكم تصوروا بأنها تدوم لهم ثم غادروا كل ذلك مرغمين مقهورين . 2 ـ مطالعة ما أعد الله ( تعالى) للمؤمنين في يوم الآخرة من نعيم مقيم لا زوال له ولا إضمحلال فيرغب نفسه بتلك الحياة الخالدة ويشتاق الى نعيمها ويعلق قلبه فيها لتهون عليه هذه الحياة الفانية وليقل تشبثه بها. 3 ـ الاكثار من ذكر الموت روي عن أبي عبد الله (عليه السلام ): " اكثر ذكر الموت فما اكثر انسان ذكر الموت إلا وزهد في الدنيا " (19). القسم الثاني :حالة إنعدام الأمل قد ينعدم الأمل لدى بعض البشر فيدفعهم الى الكسل والإكتئاب والإنطواء وربما الى الانتحار لأسباب تختلف من شخص لآخر لكنها تنتج أمرا واحدا لديهم وهو اليأس وقد نهت الآيات الكريمة والروايات الشريفة عن اليأس بل واعتبرته ثاني الكبائر بعد الشرك لما له من آثار وخيمة على الفرد والمجتمع تصل الى حد الكفر والانتحار منها: 1 ـ سلب الأمل من قلب الإنسان هو أقوى أسلحة الشيطان، وبه يبعد المذنبين عن التفكير في العودة الى دائرة طاعة الله (عز وجل) . فاليأس جنديّ ماكر من جنود إبليس ولذا كان اليأس من روح الله ثاني الكبائر بعد الشرك بالله لأنه يؤدي الى الكفر قال ( تعالى) : " وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) "(20) 2 ـ اليائس لا يعمل وبما إن لا حياة بلا عمل إذن فلا حياة للإنسان اليائس، وبالتالي لاحياة مع اليأس، ولا يأس مع الحياة، روي إن النبي عيسى (عليه السلام ) بينما هو جالس وشيخ يعمل بمسحاة ويثير بهأ الارض، فقال عيسى (ع ): اللهم انزع عنه الامل، فوضع الشيخ المسحاة واضطجع (21) 3 ـ اليأس يدعو الى الأسف كما جاء في قول الامام علي ( عليه السلام) عن القلب: " بضعة هي أعجب ما فيه وذلك القلب وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها فإن سنح له الرخاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الاسف " (22). 4 ـ لآثار اليأس الوخيمة فلم تحرص بعض الروايات على النهي عنه بل نهت عن مقدماته أيضا كما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام ) : " اياك والجزع , فانه يقطع الامل ,ويضعف العمل , ويورث الهم " (23) وعلى الرغم من كل ما تقدم نجد بعض الروايات تمدح اليأس و تحث عليه فيما إذا كان يأسا عما في أيدي الناس فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " نال الغنى من رزق اليأس عما في أيدي الناس والقناعة بما أوتي والرضا بالقضاء " (24) بل وإعتبرته بعض الروايات إنه من موجبات العز كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): " لايزال العز قلقا حتى يأتي دارا قد استشعر أهلها اليأس مما في أيدي الناس فيوطنها " (25). وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام): " اليأس مما في أيدي الناس عز للمؤمن في دينه، أوما سمعت قول حاتم: إذا ما عزمت اليأس ألفيته الغنى إذا عرفته النفس والطمع الفقر "(26) علاج اليأس: من طبيعة الإنسان أنّه في حالة الحزن يعيش لحظته التي هو فيها دون أن يفكّر في الزمن القادم إليه وما قد يحمله من فرج ويسر. فلا يفكّر بأنّ الشر من الممكن أن ينزاح عنه، بل يتصوّر أنه محيط به، ومستمرّ معه فلا يحسب حساب المستقبل. وهذا هو اليأس الذي صوره الله (تعالى) حيث قال: " إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلاَّ الْمُصَلِّينَ"(27) ولا ينجو منه الا المصلّون، كما تصرّح بذلك الآيات السابقة، فانّهم الوحيدون الذين يرتبطون بالمستقبل عبر ايمانهم بالله (عز وجل). ويقينهم بكلماته إذ قال: " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) " (28). كما دعا الله (تبارك وتعالى) بقوله: " مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلآئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ " (29) الى عدم استعجال الانسان وانتظاره الفرج مهما أحاطت به من أحداث قاسية لانّ الله (سبحانه ) ذو تأنٍّ لا يستعجل، ولا تعجله الحوادث، لأنه لا يخاف الفوت، فيوم واحد عنده هو كخمسين ألف سنة مما نعدّ ونحصي. روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : " من يكن الله أمله يدرك غاية الأمل والرجاء "(30). فالأمل بالله (تعالى) والارتباط به والاطمئنان الى عدله ولطفه يجعل المر حلوا والعسر يسرا والابتلاء جميلا كما ورد عن السيدة الطاهرة زينب (عليها السلام): " ما رأيت الا جميلا " لنظرتها المستقبلية الى الحفاظ على خاتم الأديان الذي سيملأ الكون بجمال مبادئه وبقضائه على الظلم وبسط عدالته. فهي لم تنظر الى اللحظة الآنية التي كانت فيها بل إستشرفت المستقبل ولذا لم تتحدث كمسبية أو مظلومة بل صدحت بكلمات الانتصار وبثقة عالية حيث قالت: " فلئن اتخذتنا مغنما لتتخذنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى، والمعول، وإليه الملجأ والمؤمل ثم كد كيدك، واجهد جهدك، فو الذي شرفنا بالوحي والكتاب، والنبوة والانتجاب، لا تدرك أمدنا، ولا تبلغ غايتنا، ولا تمحو ذكرنا، ولا تدحض عنك عارنا، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد "(31) القسم الثالث : قصر الأمل و هو الحال الوسط بين طول الأمل وإنعدامه، وقد رجحته وحثت عليه الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت ( عليهم السلام) ؛ لأنه يجمع بين فضيلة الأمل و بين تجنب مساوئ طوله. فهو يحث الانسان على أن يعيش حالة الأمل ولا ييأس فيعمل ويثابر ويجتهد ويساهم في عمران الحياة الدنيا وفي الوقت ذاته يحثه على أن يقصر الأمل فيتصور أن الساعة التي يعيش فيها الآن قد تكون آخر ساعة من ساعات حياته وهذا ما يدفعه الى عمران آخرته، ومع ذلك فانّ الإنسان إذا فكّر في المستقبل تفكيراً جدّياً وبنّاءً فانّ هذا لا يعني أنه طويل الأمل خاصة إذا كان في سبيل الله بل سوف يعطى الأجر الجزيل، لأن هذا العمل مطلوب من الله (عز وجل)، وقد جاء عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنه قال: "اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً".(32) ودعا الى ذلك أبا ذر قائلا: " يا أبا ذر، أتحب أن تدخل الجنة قلت نعم فداك أبي. قال فاقصر من الأمل، واجعل الموت نصب عينك، واستح من الله حق الحياء " (33). محاسن قصر الأمل : 1 ـ التحلي بالأمل يدعو الى العمل: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله ): " الأمل رحمة لاُمّتي، ولولا الأمل ما رضعت والدة ولدها ولا غرس غارساً شجراً "(34). 2 ـ الأمل مفجّر الطاقات: الإنسان يمتلك كتلة من الطاقات لا تحدّ آفاقها، ولا تحصى أبعادها، ومفتاح هذه الطاقات والقدرات هو الأمل، فهو وقود حركة الإنسان فقد روي إن عيسى بن مريم (ع ) بينما كان جالسا وشيخ يعمل بمسحاة ويثير به الارض، فقال عيسى (ع ): اللهم انزع عنه الامل، فوضع الشيخ المسحاة واضطجع، فلبث ساعة فقال عيسى (ع ) : اللهم اردد اليه الامل، فقام فجعل يعمل (35) 3 ـ الأمل علاج في المصائب والمصاعب : فالانسان المؤمن متفائل دوماً حتّى وإن واجه مئات الهزائم المادّية، لأن دينه يدعوه الى الأمل المرتبط بالله ( سبحانه وتعالى ) الذي يزكّي النفس، ويربّيها، وينمّي فيها الطاقات الخيّرة، ويمكنها من تجاوز المصاعب، روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام ): " اياك والجزع , فانه يقطع الامل، ويضعف العمل، ويورث الهم، واعلم ان المخرج في امرين: ما كانت فيه حيلة فالاحتيال، وما لم تكن فيه حيلة فالاصطبار" (36) . 4 ـ الأمل ينجي من الهزيمة: لا ينهزم الانسان خارجا الا بعد إنهزامه نفسيا، والهزيمة النفسيّة غالبا ما تنجم عن الأماني التي لا تتحقّق، والتي تنعكس على السلوك، وبالتالي تخلق الهزائم الحقيقيّة في الخارج، والنصر في هذه الحالة يتلخص في وجدان العزيمة في القلب أولا وتجسّيدها في الواقع عبر الحركة ثانيا وهذا ما يصنعه الأمل، لذا جاءت الآيات الكريمة تبعث الأمل في النفوس وتحثها على التصميم تحقيقا للنصر قال الله (تعالى): " وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً"(37). 5 ـ الأمل يعيد المذنبين الى خالقهم ويعينهم على التوبة: إذا ما أذنب المسلم فإن الشيطان يجتهد في جره الى إرتكاب المزيد من المعاصي والذنوب . فإذا ما انتبه الى عظيم ما جنته يداه و خطير عصيانه لبارئه و مولاه إجتهد الشيطان أكثر ليؤيسه من رحمة الله . فيكون الأمل حينئذ له كفارة النجاة الذي يخلصه من بحر اليأس والقنوط، قال (تعالى): " وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)" (38) 6 ـ قصر الأمل يذكر بالموت و يحث على الاستعداد للآخرة و قد روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله ): " من اصبح وامسى والاخرة اكبر همه جعل اللّه الغنى في قلبه، وجمع له امره ,ولم يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه " (39) . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) دروس في الأخلاق ج1 ص148 (2) مشكاة الانوار ج1 ص66 (3) غرر الحكم و درر الكلم ج1 ص87 (4) ــ(10) المصدر السابق ج1 ص218 (11) ــ (14) المصدر نفسه ج1 ص219 (15)عيون الحكم و المواعظ ج1 ص122 (16)المصدر السابق ج1 ص179 (17)بحار الانوارج90 ص330 (18)عيون الحكم و المواعظ ج1 ص133 (19)مشكاة الأنوار ج1 ص235 (20)يوسف 87 (21)ميزان الحكمة ج4 ص18 (22)عيون الحكم ج1 ص283 (23)ميزان الحكمة ج16 ص9 (24) عيون الحكم ج1 ص350 (25)ـ( 26)ميزان الحكمة ج3 ص27 (27) المعارج/19-22 (28)الانشراح 5و6 (92)المعارج/3-4 (30)ميزان الحكمة ج4 ص39 . (31)بحار الانوار ج45 ص165 (32)ميزان الحكمة ج2 ص18 (33)الأمالي للطوسي ج2 ص111 (34)ميزان الحكمة ج4 ص18 (35)ميزان الحكمة ج4 ص18 (36)ميزان الحكمة ج16 ص9 (37)الاسراء/81 (38)يوسف 87 (39)ميزان الحكمة ج2 ص14

اخرى
منذ 8 سنوات
22731

أثر الطعام في تربية الأبناء

إن المرحلة الأولى للتربية ترتكز على عدة أشياء مهمة وأساسية تدخل في تكوين شخصية الطفل وسلوكه وأخلاقه، فالطعام الذي يتناوله الرجل قبل لقاء زوجته وانعقاد النطفة له مدخلية في صلاح وفساد الأبناء، ونقصد هنا أن يكون الطعام من مصادر وأموال مشروعة وبعيداً عن الشبهات، فالمال الذي يكسبه الرجل له مصادر عديدة وممكن أن تدخل به الشبهة أو الحرمة... فالبعض من الآباء يكسبون المال بطرق غير مشروعة في المعاملات التجارية مع الناس، أو أن البعض منهم يقوم بسرقة قوت الشعب بأساليب ملتوية شيطانية... فالموظف مثلاً الذي يأخذ الرشوة من المواطنين ويقوم بتأخير معاملاتهم من أجل ابتزازهم والضغط عليهم يعتبر فاسداً ومفسداً في المجتمع وفساده يضره أولاً ويمتد إلى زوجته وأولاده، لأنه يقوم بإطعامهم المال الحرام.. أو إن البعض من الموظفين يتهربون من الدوام الرسمي بحجج واهية أو بسبب عدم وجود ضوابط وعقوبات، والمفروض من المسلم أن يجعل ضميره نصب عينيه وإن غاب القانون عنه وغفل. فالله تعالى لا يغفل وسيحاسبنا على اعمالنا وأفعالنا... ويغفل البعض من الآباء أو يتغافل عن مثل هكذا موارد تجلب له ولأسرته المتاعب الدنيوية والأخروية ويكون سبباً في تعاستهم وعدم ارتياحهم في الدنيا والأخرة... والسبب الأساسي الذي يدفع هؤلاء الآباء لمثل هكذا أفعال هو: إما الطمع أو ضعف الوازع الديني والأخلاقي. مما يؤدي إلى إسقاط الظلم على الزوجة والأبناء في تناولهم للطعام الحرام الذي تم اكتسابه بواسطة أفعال محرمة أو طرق مشبوهة! أو أن البعض من الآباء يمتنعون عن إعطاء الحقوق الشرعية لمستحقيها (كالزكاة والخمس) كل هذه الأمور تساهم في تشكيل شخصية الطفل بشكل غير سليم ويكون استعداده الروحي والنفسي لاكتساب الأخلاق والطاعة ضعيف أو ينعدم مما يزيد من تمرده على أهله، وهذه نتيجة طبيعية! فمن يسأل عن انحراف أبنائه فليراجع مصادر أمواله جيداً! عرفنا الآن مدى العلاقة بين أهمية أن يكون الطعام من مصادر محللة وسلامة أخلاق الأبناء مستقبلاً، فكل ما تمر به الأم في فترة الحمل يؤثر تأثيراً مباشراً في الجنين، فتسعة أشهر يعيشها الطفل في بطن أمه يكون تابعاً لكل المؤثرات الخارجية والداخلية التي تؤثر في جسد الأم وروحها... وقد ذكر الحديث الشريف للنبي الأكرم محمد(صلى الله عليه واله وسلم): السعيد من سُعد في بطن أمه، والشقّي من شقّي في بطن أمه. والمقصود بالسعادة والشقاء في بطن الأم هي تلك الانعكاسات التي تطرأ على الجنين بسبب الحالة النفسية والجسدية التي تعيشها الأم. فالأم التي تكون ذاكرة لله تعالى مواظبة على صلاتها وصيامها ملتزمة بأحكام دينها، فإن جنينها يعيش تلك الأجواء النفسية السعيدة التي تعيشها الأم، عكس تلك الأم المضطربة والتي تعيش أيام حملها في حزن وكآبة وقلق وتكون بعيدة عن ذكر الله تعالى فهذه الأعمال تسلب جنينها وتسلبها السعادة والاطمئنان النفسي والروحي فتكتب الشقاء على جنينها بأعمالها السيئة... إن الأجواء التي عاشها الجنين خلال فترة الحمل يتأثر بها ويمتد تأثيرها إلى ما بعد الولادة ما لم تتوفر له البيئة المثالية والمناسبة لنسيان آثار الماضي، لذلك نلاحظ أن بعض الأطفال في سنواتهم الأولى تظهر عليهم سلوكيات الصراخ والعصبية وهذا ناتج بسبب سوء الحالة النفسية التي عاشتها الأم في أيام الحمل... وما دمنا عرفنا المضار والاضرار الشديدة التي ترافق فترة الحمل وعلاقة الطعام الحلال بتكوين شخصية الإنسان منذ الصغر فهنا توجب علينا الالتزام الكامل بأحكام الله تعالى والعمل على طاعتها ومقارعة هوى النفس لنيل رضا الله تعالى والأخذ بأُسَرِنا إلى بر الأمان من أجل تنشئة جيل مؤمن بالله تعالى وملتزم بالأخلاق الفاضلة وهذا من واجبات الآباء والأمهات أيضاً الذي يجب عليهم العمل من أجله وإن يكون مبتغاهم وهدفهم الأسمى. والله ولي التوفيق قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
5440

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
89554

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
80511

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
61869

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
52587

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
49254

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
46794