تشغيل الوضع الليلي
تطوير الذات
منذ 8 سنوات عدد المشاهدات : 10502
كيف تستطيع ان تطور ذاتك؟
إذا بقيت متقوقعاً على نفسك فإن ذلك سيحرمك الكثير من الفرص.
لن تصنع الهمسات منك شخصًا يُؤخذ برأيه،
عليك أن تتعلم التحدث حتى يسمعك الآخرون،
وقبل ذلك عليك أن تؤمن بنفسك قبل الآخرين،
تطوير الذات
يقصد به استخدام الشخص لقدراته ومهاراته لتحقيق أهدافه والحصول على ما يريد من نجاح وتفوق بالحياة، وهذا التطوير للمهارات لابد له أن يبدأ بشكل صحيح وفق نقاط محدده من قبل الشخص، منها: طريقة التفكير في تحديد الأهداف التي يريد الوصول إليها، ووضع طرق صحيحة للوصول للهدف المحدد...
وهذا يحتاج إلى تفكير ومهارة وقدرة ذهنية للشخص وثقة بالنفس وقوة إرادة تعطي للشخص طاقة إيجابيه، وتمنحه القوة لتحقيق هدفه.
كيف تطور نفسك وتسعى للنجاح الذي ترغب فيه؟
هناك الكثير من المقومات التي يجب على الإنسان أن يعرفها، والمهارات التي يجب أن يتعلمها لتطوير ذاته، فمنذ خلق الانسان وهو يسعى للتطوير، وهناك من ينجح بتطوير نفسه، والوصول لأعلى مراتب في الحياة، وهناك من يخفق عدة مرات وهو مستمر، وهناك من يئس من اول محاولة، وهناك من لم يتعب نفسه في محاولة إيجاد طريقه أو لم يفكر أصلاً في أي هدف أو تطور، فاكتفى أنه فقط يعيش. وهذا خلاف العقل وخلاف ما خلق الإنسان من أجله.
إن تطوير الذات يساعد في حصولك على أكثر فرص نجاح في الحياة وتكون شخصاً ناجحاً في أغلب المجالات، وكذلك يساعدك في مواجهة المشاكل التي تتعرض لها في حياتك اليومية، فالإنسان يجب أن يحدد هدفه في الحياة من خلال معرفة مهاراته التي يستطيع أن يتفوق بها، فالهدف يجب أن يكون مناسباً لقدراته ومهاراته وإمكانياته، حتى يكون واقعاً، بما معناه أنه لا يفكر بأهداف وأحلام خيالية جداً فالنجاح بالتدريج، فليس من السهل الصعود من قاع الوادي مباشرةً إلى قمة الجبل، فيجب السير والصعود شيئاً فشيئاً،
يجب على الشخص تحديد نقاط الضعف والقوة لديه لتقوية الضعف أو الخوف بالتدريج والإرادة والإصرار له تأثير قوي على ذلك، فكلما كانت الإرادة قوية والإصرار شديداً كلما كانت نسبة النجاح عالية.
أبسط مثال لذلك: لو نلاحظ أضعف المخلوقات التي خلقها الله، جعل فيها أموراً تجعل الإنسان يفكر ويقول: هل هذا المخلوق الضعيف أفضل مني؟!لو نشاهد النملة الصغيرة ونرى إصرارها عندما تحمل الغذاء الذي تحصل عليه، رغم حجمها الصغير ولكنها تحاول وتحاول لنقله حتى أنها بعض الأحيان تتسلق الجدران وتسقط كم مرة، ولكنها لا تيأس ترجع وتكرر المحاولة عدة مرات إلى أن تنجح، هل أحد منا جرّب ذلك؟ إنه لو تكرر فشله في تحقيق هدف ما وأخفق بالوصول للنجاح ويكرر المحاولات لعدة مرات إلى أن يصل إلى النجاح بإصرار وثقة.
كل إنسان يريد أن ينجح ويحقق أهدافه في الحياة يجب عليه أن يهيأ قاعدة أساس لذلك.
فلكل شي بداية وبداية النجاح هي تقوية الثقة بالنفس، يجب أن تحاول تقوية ثقتك بنفسك في داخلك وأمام الناس.
أنا قوي، أنا قادر على النجاح، قادر على تحقيق هدفي.
هذا التعزيز بالثقة للنفس يمنحك طاقة إيجابية تحاكي عقلك الباطن لتكوين شخصية قوية ناجحة، وبالتفكير العقلي الصحيح لتحديد هدفك ودراسته دراسة موضوعية صحيحة تستطيع تحديد الطرق الصحيحة التي تسير بك نحو النجاح والتفوق، تحتاج بعد تعزيز ثقتك بنفسك أن تتخلص من الخوف الذي يراودك بالفشل
فهذا الاحساس بالفشل يجعلك تفشل، والتفكير بالنجاح دوماً يجعلك تصل لقمة هرم النجاح.
فكل شيء بدايته تحتاج صبراً وتانياً وبذل جهد وتفكيراً صحيحاً ومثابرة حتى الأهداف السهلة لا تأتي بسهولة إنما يجب السعي إليها بشكل صحيح وفق متطلبات صحيحة ومدروسة...
وقبل كل هذا يجب عليك أن تحدد هدفك المناسب لقدراتك ومهاراتك، ففي كل إنسان مهارات وقدرات يستطيع أن يقويها أو يضعفها فحاول تحديد المهارات القوية والقدرات لتنميها وتتفوق بها...
وتحديد المهارات الضعيفة لتقويتها.
فالثقة بالنفس عامل مهم جداً في تحقيق طموحاتك واهدافك.
إن كثيراً من الناس لا يعرف حقيقة قدراته التي وهبها الله عز وجل له فيضيع حياته وهو غارق في متاهات الغفلة ولا يعرف أين هو؟
وماذا هو؟
وماذا حقَّق من نجاح؟
فيضيع نفسه وحياته وأحياناً حياة مَن هم حوله وتحت مسؤوليته دون معرفة ماذا يريد...
إن الله سبحانه وتعالى وضع بداخل كل إنسان قدراتاً وكنوزاً يستطيع الإنسان أن يظهرها ويستغلها في تحقيق نجاحات عن طريق الاستخدام الصحيح لها.
لذلك لا تغفل عن القدرات التي رزقك الله بها لأن الغفلة تفقدك الكثير وهي مذمومة في كتاب الله وبصريح العبارة وقال الله في محكم كتابه (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (205) ) سورة الأعراف.
انتبه واستيقظ من غفلتك! فكر من انت وماذا حقّقت؟
تقدّم نحو تحقيق النجاح بكل مكان انت فيه.
ازرع بداخلك بذور القوة التي أرادها الله لك... لتصل لهدفك وغايتك فكل نجاح يبدأ بإرادة ورغبة بالنجاح في داخلك صوت يزرع فيك القوة للنجاح.
إذا كنت واثق بنفسك وعندك ثقة بأنك شخص ناجح وقادر على تحقيق هدفك فستنجح.
وكل فشل يبدأ بفقدان تلك الإرادة والرغبة، فالتفكير السلبي وإحساسك بأنك ضعيف أو غير قادر على تحقيق هدفك يجعل في داخلك ضعفاً أكثر وفشلاً...
فالطاقات التي في داخلك والإمكانيات التي في الكون كلها رهن إشارتك فإن أردت منها أن تحملك للنجاح فسوف تفعل ذلك وإن لم ترد النجاح فسوف تحملك إلى الفشل.
ما هي الإرادة
الإرادة هي القدرة والفعل فمن أراد فعل بالإرادة، هي الحياة، وحياة للقلب
فمن دون إرادة ورغبة يصبح الشخص عديم الإحساس بطعم الحياة.
وإذا وجدت الإرادة وجد الطريق لتنفيذها، فمع الإرادة والرغبة تحقق ماتريد.
لدى كل غنسان مخزون هائل من المواهب والطاقات ولكنها مقيدة ومكبوتة ومحبوسة تحت ركام من الخوف والتردد وانعدام الثقة بالنفس، فإذا تحرّرت فسوف تنهمر مثل الأعاصير والطوفانات بقوة لتدفعك لتحقيق أهدافك في الطريق الصحيح إذا كانت أهدافك صحيحة وموجهة بشكل صحيح واستخدمت الطرق الصحيحة للوصول لها.
أنت بحاجة لتحرير عقلك من الخوف الذي يفرض سلطانه وقوته على طاقاتك، ليصل بك للفشل والإحباط، تحتاج إلى شحنات إيجابية للشعور بالثقة بالنفس والشجاعة
تحتاج لحسن الظن بالله تعالى الذي منحك مواهب وطاقات وجعل أمرها بيدك، وهناك عوامل أخرى لها تأثير مباشر في تطوير الذات، وهي البيئة التي يعيش فيها الشخص من أهل وأقارب وأصدقاء ومدارس، فهولاء لهم تأثير مؤثر من خلال الدعم والتشجيع والوقوف بجانب الشخص أو العكس، فتكرار سماع كلمات الفشل والإحباط تجعل لدى الشخص عاملاً سلبياً للفشل وتولد لديه كثيراً من المشاكل التي تجعله إنساناً محبطاً وفاشلاً في تحقيق هدفه.
وهذا من الأخطاء الشائعة لدى بعض العوائل في تربية أطفالهم وزرع روح الفشل في داخلهم من حيث لا يشعرون فأنتم من تصنعون وتساعدون في تكوين فشل أو نجاح أولادكم فانتبهوا لذلك.
انتبه، عندما تخطو خطوة في مسيرك نحو تطوير ذاتك فمن البديهي أن تواجهك بعض العثرات والمعوقات، وربما تفشل مرة أو مرتين، هذا لا يعني أنك تتوقف، بالعكس الإنسان الناجح الذي يريد أن يطوّر نفسه يجعل من الشيء الصعب سهلاً فقد تصل بك الأمور إلى مرحلة تجد أمامك جميع الطرق مسدودة حينها لا تقف مكبّك اليدين، بل أعد النظر بالخطوات التي قمت بها، لعلك تكتشف الأخطاء التي أدت بك إلى الفشل وتعمل على تصحيحها بشكل ملائم لتحقق اهدافك.
لا تجعل اليأس يسيطر عليك ويشلّ حركتك نحو النجاح...
مرحله تطوير الذات مستمره ولاترتبط بعمر محدد.
كن واثقاً أنك تستطيع تجاوز كل الصعوبات التي تواجهها بطريقك نحو النجاح وفي حياتك بشكل عام، فلا تجعل الفشل نهاية الطريق، بل اجعله الحافز الذي يحركك ويظهر مواهبك وابداعاتك ومهاراتك وقدراتك التي عملت على تطويرها منذ طفولتك، واستمرت بالتدريج بالنمو والتطور، فهذه الأزمات والعثرات مراحل تدريبية لكي تجعلك شخصاً قوياً وناجحاً تحقق أهدافك التي تجعلك تشعر بسعادة واطمئنان.
هناك عدة طرق لتطوير الذات يجب على الشخص الذي يريد تحقيق النجاح في تطوير ذاته أن يتبعها، ومنها:
١-البحث عن المعرفة من مختلف المصادر المتنوعة واكتساب الخبرات والاستفادة من تجارب الناجحين في هذه المجالات،
٢-إدراك البيئة التي يتعلم فيها، والظروف المحيطة ومتطلبات تلك الظروف، لأن كل إنسان يعيش ظروف معينة.
٣-تجربة أنماط فكرية جديدة ومحاولة تغيير السلوك في عملية التعلم أو التطور لكسب نجاحات اكثر .
٤-تنمية روح المبادرة لدى الشخص الذي يريد تطوير ذاته، وعدم التردد والخوف في استقبال أو إرسال كل جديد من نقد أو تعلم.
٥-تبادل المعلومات وتطوير المهارات بكل الطرق المتوفرة لدى الشخص.
٦-تحديد الأمور المراد تطويرها في الذات حتى نتمكن من وضع خطط وأساليب مدروسة لكل جانب حسب مايحتاجه.
٧-تحديد فترة زمنية لتحقيق الأهداف، فذلك يعمل على تعزيز روح المبادرة وعدم التأجيل والتسويف الذي يعمل في أغلب الأحيان على فشل الخطة الموضوعة.
٨-مكافحة مشاعر القلق والخوف والتوتر من النتيجة وتهدئة الأعصاب والتحلي بالصبر خاصة أن النجاح يحتاج إلى هدوء واطمئنان وصبر، لكي ننال نتيجة افضل.
٩-تحفيز الذات بالطرق المختلفة وتنمية الرغبة الداخلية في النجاح فإن من الاساليب المهمة نحو التقدم هو التفكير بإيجابية: أنا ناجح، أنا أستطيع التقدّم، أنا لا أفشل فهذه القوة الإيجابية تدفعك نحو النجاح.
١٠-الاعتماد على النفس وعدم الأتكال على الآخرين وتعزيز الثقة بالنفس وتقويتها وترويض النفس على تقبّل النقد واحترام الرأي الآخر.
١١-استمثار كافة المواقف الإيجابية والسلبية وتحويلها إلى أسباب مهمة لنتعلم منها ونستنتج منها طرق جديدة تدفعنا للنجاح وتطبيق ما يتعلمه في حياته.
١٢-الانفتاح والتعبير عن الأفكار، سلوك يساعد في التعامل مع الآخرين بسهولة، وعدم الإفراط في تحليل ردود الأفعال والسلوكيات من الطرف الآخر يساعدك في تطوير ذاتك، وجعلك إنساناً ناجحاً ومميزاً.
لتطوير الذات أنواع وأقسام مختلفة وهي:
١-التطوير النفسي: وذلك من خلال فهم كيفية التعامل مع الناس وكيفية غرس الثقة بالنفس وتكوين شخصية قوية قادرة على مواجهة الصعوبات والمشاكل وضبط المشاعر والعواطف والسيطرة على الغضب وغيرها من العوامل التي تساعد في تكوين شخص قوي ومتماسك وناجح.
٢-التطوير العقلي: وذلك من خلال تطوير القدرة العقلية عن طريق اكتساب مهارات وعلوم وأفكار، وتنوع مصادر التعلم لتصبح إنساناً قادراً في الدخول في حوارات ونقاشات علمية أو غيرها، لتستطيع أن ترد على من يناقشك في هدفك الذي تريد الوصول له والنجاح فيه.
٣-التطور الاخلاقي: اكتساب سلوكيات وأخلاق جيدة وتطبيقها وممارستها لتصبح إنساناً مميزاً بإخلاقك النبيلة التي أرادها الله منك.
٤-التطور الاجتماعي: وذلك من خلال الاهتمام بالروابط والعلاقات الاجتماعية والاختلاط مع الناس ومشاركتهم في مناسباتهم.
٥-التطور المادي: وذلك عن طريق السعي في اكتساب المعيشة والعمل في الطرق المشروعة للحصول على أموال وتحديد طرق صرفها وتدبير الأمور الاقتصادية بشكل صحيح.
اخترنا لكم
أريج التوبة مع الإمام الكاظم (عليه السلام) (٢)
بقلم: عبير المنظور العشقُ سجدةٌ! بارعةُ الجمال، فائقةُ الحسن، فاتنةٌ ذات غنج ودلال، لا يستطيع رجل أن يفلتَ من سيف لحظي القاتل، أقوى الرجال وأشرسهم واغناهم كانوا يركعون تحت قدمي بنظرة واحدة مني، ويسجدون لأرضى عنهم، هكذا أنا ومن على شاكلتي، نفخر بعدد ضحايانا من الرجال وركوعهم وسجودهم أمام جمالنا الوضّاء. طارَ لُبّي عندما أخبرني أحدهم بأن الخليفة العباسي هارون يستدعيني، ويأمرني بأن أقابله وأنا في أبهى حلة وزينة وعطر، امتثلت مسرعة للأمر. غمرتني السعادة حتى كاد قلبي يخرج من قفصي الصدري فرحاً وأنا أدخل على الخليفة. دخلتُ على هارون وكُلّي أمل بأن يجعلني محظية عنده، استبشرتُ خيراً عندما تفحّصني مبتسماً من أعلى رأسي حتى أخمص قدميّ، عندها أمر الخادم بان يأخذني إلى السجن! تحيّرت وانعقد لساني من الذهول، أيُّ سجن هذا؟ ولماذا؟ كنتُ على وشك الانفجار حتى علمتُ أنهم يستخدمونني لإغواء احد السجناء بحجة خدمته! رغم انني ذُهلتُ أيضاً لهذه المهمة الغريبة، ومن هو هذا السجين الذي يود الخليفة أن يجعلني خادمة له ليفتنه بالنساء واللهو وهو في قعر السجن! ولماذا؟ وسرعان ما طردت هذه الأفكار من رأسي، المهم إنني سأدخل السجن أؤدي مهمة اعتدتها ولن أُطيلَ المقام كثيراً فأنا لستُ سجينة، ومهما كان السجين فإنه سيركع ويسجد أمام جمالي بسرعة وسيزداد عدد ضحاياي. ذهبت مع الخادم إلى السجن وكان سجناً مظلماً ضيقاً خانقاً، امتعضتُ للوهلة الاولى، كيف سأبقى في هذا السجن؟! وما كان يُطمئن قلبي أنني لن أُطيل المكوث هنا، فأي سجين في هذا السجن المخيف يرفض امرأة بارعة الجمال تخدمه وتقضي حوائجه! تشتّتْ أفكاري هذه على صوت فتح باب الزنزانة، دخلت الزنزانة وإذا بي أرى رجلاً مقيداً بالسلاسل والأغلال، عليه سيماء الصالحين، ففي وجهه نور لم ألحظهُ أبداً في ضحاياي، كنتُ أتأملُ ذلك النور حينما أخبره الخادم بأنني هدية الخليفة إليه لأخدمه في السجن، كنتُ أظن أنني سأراهُ مبتهجاً لهذه الهدية. فوجئتُ كثيراً عندما قال له: قل لهارون: بل أنتم بهديتكم تفرحون، لا حاجة لي في هذه وأمثالها. استشطتُ غضباً منه كيف يرفض هدية الخليفة؟! وأي هدية! أنا فاتنة الرجال؟! تحيّرتُ في أمره مَنْ يكون؟ خرجتُ من الزنزانة وعباب الأفكار يلـّفُ رأسي، لا أُنكِرُ أنني أعجبتُ بقوة إرادته رغم أغلاله وقيوده وزنزانته، ولكنني غضبت لرفضه، وغضب هارون أيضاً، فقال للخادم قل له: ليس برضاك حبسناك ولا برضاك أخدمناك، واترك الجارية عنده وانصرف. أُعجبتُ بمقالة هارون وصمـّمتُ على إغواء ذاك السجين، وكأن الأمر أصبح تحدياً بيني وبينه. عدتُ إلى الزنزانة مجدداً وعزمتُ على تنفيذ المهمة في أسرع وقت. بقيت واقفة عندما كان السجين منقطعاً في صلاته ما بين ركوع وسجود، وكان يطيل السجود كثيراً، فغضبتُ لأنني اعتدت أن يركع الرجال ويسجدون تحت قدمي. وقفتُ كثيراً وطال وقوفي وهو يصلي ليله ونهاره، فلما انصرف من صلاته وهو يسبح الله ويقدسه قلت له: هل لك حاجة أعطيكها؟ فقال: وما حاجتي إليكِ؟ قلتُ: إني أُدخلت عليكَ لحوائجك. فقال: فما بال هؤلاء؟ - وأشار بيده إلى جهة- فالتفتُّ فاذا روضة مزهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري، ولا أولها من آخرها، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج، وعليها وصفاء ووصايف لم أرَ مثل وجوههنّ حسناً، ولا مثل لباسهنّ لباساً، عليهن الحرير الأخضر، والأكاليل والدر والياقوت، وفي أيديهن الأباريق والمناديل، ومن كل الطعام، وإني لمّا عاينت من الأمر نادتني الجواري: يا فلانة ابتعدي عن العبد الصالح حتى ندخل عليه فنحن له دونك. فوقعتُ ساجدة لعظيم ما رأيت لا أرفع رأسي وأردد: قدوس سبحانك سبحانك. لم أشعر إلا وقبضة الخادم الذي أمره هارون بمراقبتي مع ذلك السجين تجرجرني إلى الخليفة الذي كان يستشيط غضباً وهو يقول: سحرها والله موسى بن جعفر، عليَّ بها. أتيتهُ وأنا أرتعدُ وقد شَخَصْتُ ببصري نحو السماء وأنا أذكر الله وأمجّده، فسألني هارون: ما شأنكِ؟ قلتُ: شأني شأن البديع، وقصصتُ عليه ما رأيت. قال لي: يا خبيثة لعلّك سجدتِ، فنمتِ فرأيتِ هذا في منامك! قلت: لا والله يا سيدي، رأيتُ هذا قبل سجودي، فسجدتُ من أجل ذلك. فقال الرشيد الخادم: اقبضْ هذه الخبيثة إليك، فلا يُسمع منها هذا. واعتقلني الخادم عنده، فأقبلتُ على العبادة والصلاة، فاذا سُئلتُ عن ذلك قلتُ: هكذا رأيت العبد الصالح(١). ولم تمر أيام قليلة حتى سمعتُ بنبأ وفاة العبد الصالح. فتأثرتُ كثيرا، فلم يكن العبد الصالح مجرد رجل مرّ في حياتي لم يأبه لجمالي وفتنتي، بل لأنني عشتُ بفضله لحظة مقارنة تأملتُ فيها دناءة نفسي مع تلك النفوس القدسية. ولأنني عرفتُ على يديه معنى الحرية الحقيقية، تلك الحرية التي تكمن في الروح وترفض أغلال الظالمين وسلاسلهم وزنازينهم وترفض اتّباع الشهوات، نعم وجدتُ الحرية هنا بين هذه القضبان! متجسّدة في العبد الصالح موسى بن جعفر. عرفتُ على يديه الكريمتين معنى الصلاة بالركوع والسجود الحقيقي، سجود العبودية لله هو حرية الانسان الحقة من سلاسل الذات والمال والجمال والشهوة والسلطة وغيرها، عرفتُ كيف يُسلّم ُالإنسان لأمر ربه بيقين وتوكل، ومهما ضاقت عليه السبل ظاهرياً إلا أنه في نعمة باطنة لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم. عرفتُ تلك الحقيقة عندما رأيت نعيم الجنة للعبد الصالح وهو حبيس هذه الزنزانة. عرفتُ كم كنتُ بشعة وحقيرة ورخيصة ومتهتكة أمام جمال الحور العين اللاتي رأيتهن وهن يبعدنني عن العبد الصالح لأنني قد لوثتُ نفسي بالمعاصي والذنوب واصطياد عيون وقلوب الرجال وغرائزهم، وافتخاري بذلك على بقية الجواري أمثالي! كانتْ لحظة غيرّتْ مسار حياتي وفكري وعقيدتي وروحي، لحظة جعلتني أُدركُ الحقيقة، حقيقة أن لكل سوق بضاعة والبضاعة لها ثمن، إلا نحن النساء اللاهيات العابثات، فنحن السوق ونحن البضاعة ونحن الثمن! مهما ركع الرجال بين أقدامنا نبقى في الحضيض وفي قعر سجن الذات والشهوات. لم أَعُدْ سوقاً ولا بضاعة ولا ثمناً بخساً للذئاب البشرية، فقد تعلمتُ من مولاي العبد الصالح أن الدنيا سوق والجنة هي البضاعة والثمن هو عملنا الصالح والعبادة الحقيقية. فوقعت ساجدةً سجدةَ عشقٍ أَعلنتُ بها توبتي الى الله مما كنتُ عليه وبدأت صفحة النقاء والعفة والانقطاع إليه تعالى. كانت أعظم دروس توبتي هي معرفة معنى السجود من مولاي صاحب السجدة الطويلة والدمعة الغزيرة. فالآن عرفتُ لماذا كان يطيل العبد الصالح السجود، فقد كان منقطعاً برفقة من أحبّ في محراب العشق الإلهي. يا بنات حواء، هذه قصة توبتي بين أيديكن، اقرأْنها بقلوبكن، فمهما تغيّرت الحياة عبر قرون وقرون، تبقى المرأة مرأة بكل جمالها وعنفوان أحاسيسها ومشاعرها المندفعة والمترعة بالعاطفة. لا تُحوّلنَ عواطفكن إلى سوق أنتن فيه البضاعة والثمن، كُنَّ بضاعةً في سوق العفاف وثمنكن الكرامة، فالله قد أكرمكن في الدنيا والاخرة، فالمرأة الصالحة في الدنيا خير من الحور العين في الجنة. _____________________ (١) أنظر مناقب آل أبي طالب، إبن شهر آشوب، ج٣ ، ص٤١٥.
اخرى
قد أفلح من زكاها
بقلم: دعاء فاضل الربيعي التزكية مفهوم عام يشمل نواحٍ متعددة من حياة الإنسان، ولا يقتصر على المال فقط، بل يشمل جميع ما أفاض الله على خلقه من بدن وعقل وعلم وشجاعة وجمال وصحة إلى أخره، فقد ورد في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (كل ما أديت زكاته فهو مأمون السلب) ومن هذا الحديث المبارك يتبين لنا اهمية التزكية وضرورتها للحفاظ على النعم الإلهية من النقص أو الزوال. وتعرف الزكاة على أنها إخراج جزء من عين الشيء المراد تزكيته وإعطاؤه لمستحقيه. وقد ذكر آل البيت (عليهم السلام) في أحاديثهم جملة من الأمور التي تقع عليها التزكية واهمها البدن، فعن الصادق (عليه السلام) قال: (العلل زكاة البدن) وعن الباقر (عليه السلام) قال: "ان رسول الله (صلى الله عليه واله) قال: لأصحابه يومًا: ملعون كل مال لا يزكى، ملعون كل جسد لا يزكى ولو في كل أربعين يومًا مرة، فقيل: يا رسول الله أما زكاة المال فقد عرفناها، فما زكاة الأجساد؟ قال لهم: أن تصاب بآفة" ويتضح من الحديث ان العلل التي تصيب بدن الإنسان ما هي إلّا زكاة له وغاية الباري (عز وجل) هي صيانة ذلك البدن ودفع الأدران المعنوية عنه وعلى العبد ان يحمد الله ويشكره عند المرض وعند العافية. أما الأمر الآخر مما تقع عليه التزكية فهو العقل، قال أمير البلغاء: (زكاة العقل احتمال الجهال). العقل نعمة ومنّة إلهية، فهو ينبوع الخير وهو دليل المؤمن ومحل للتفاضل بين الناس إذ يتفاضل الناس بالعلوم والعقول، وحري بذوي العقول أن يزكوها ويحافظوا عليها من الزوال وذلك باحتمال الجهال وعدم مواجهتهم والخوض معهم في جدالات عقيمة والاكتفاء بقول الباري (عز وجل): (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا). وبعد العقل يأتي العلم فهو محل للتزكية لما له من آثار ايجابية على حياة الإنسان الدنيوية والأخروية، لذا يتوجب على صاحب العلم أن يزكي علمه، وذلك بأن يوظف شيئاً من قدراته وإمكاناته المختلفة لصالح الشأن العام وخدمة أبناء جنسه ومجتمعه، كما قال سادتنا (عليهم السلام): (زكاة العلم بذله لمستحقه واجهاد النفس في العمل). (زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه). (لكل شيء زكاة وزكاة العلم أن يعلّمه أهله) (والعلـم يزكـو على الإنفاق) فمن أراد أن يبارك الله في علمه عليه أن يعلم الناس ويرشدهم إلى ما تعلم وإذا أراد العالم ان يشكر ربه عليه ان يبذل علمه لمن يستحقه. والشجاعة أيضًا نعمة إلهية تستحق الشكر والتزكية، فالشجاعة أمضى سلاح في مواجهة المخاطر والتحديات، والشجاع أقرب إلى الفوز والنجاة، بينما الجبان أقرب إلى الهلاك والخسران، وتزكى الشجاعة بالجهاد في سبيل الله من أجل نصرة الحق واعلاء كلمته كما قال المعصوم (عليهم السلام): (زكاة الشجاعة الجهاد في سبيل الله)… ويجدر الإشارة هنا إلى موضوع غاية في الاهمية وهو تجنب مهلكات وآفات الشجاعة وهي البغي واضاعة الحزم والتهور، فعلى الشجاع القوي أن يتحلى بالصبر؛ لأن (الشجاعة صبر ساعة) كما قال الإمام الحسن (عليه السلام). كما يتوجب على الشجاع الغيور أن يضع حدًا لشجاعته كي لا تعد تهورًا كما قال الإمام العسكري (عليه السلام): (إن للشجاعة مقداراً، فإن زاد عليه فهو تهوُّر). والأمر الآخر الذي تقع عليه التزكية هي الصحة، التي تعتبر من أفضل النعم وأهنأ اللّذتين، والصحة لا يستشعرها إلّا الفاقدون لها، فيا ترى كيف نحافظ على صحتنا ونزكيها مما يتلفها؟ الجواب في قول الإمام علي (عليه السلام): (زكاة الصحة السعي في طاعة الله) فتأدية حق الصحة يكمن في طاعة الله واجتناب معاصيه، وعلى المؤمن أن يغتنم أيام العمر بطاعة الله سبحانه وإقامة عبوديته وشكره، والعمل بما فيه صلاح الدنيا والآخرة. أمّا المورد الآخر الذي يعتبر محلًا للتزكية فهو الجمال، فالجمال صفة تلحظ في الأشياء وتبعث في النُّفوس سرورًا أو إحساسًا بالانتظام والتّناغم، وهي هبة ومنّة إلهية يتوجب أداء حقها وتزكيتها لتبقى وتدوم، وخير تزكية للجمال هو التحلي بالعفة، فبالعفة يصان الجمال ويُحفظ كما قال الإمام علي (عليه السلام): (زكاة الجمال العفاف) فعلى النساء والرجال ان يتصفوا بالعفة ويتزينوا بها حتى يصونوا جمالهم الظاهري والباطني. كما أن العين من الأمور المهمة الواجب تزكيتها وصيانتها مما يرديها ويفتك بها، فالعين هي نعمة إلهية كبرى على الإنسان أن يُحسن استخدامها وتوظيفها فيما يرضي الله تعالى، وقد تكون نقمة ووبالاً على صاحبها إذا لم يحسن استخدامها ضمن الحدود التي وضعها الله تعالى لها، فعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): "كم من نظرة جلبت حسرة" وتزكية العين كما قال الصادق (عليه السلام): (زكاة العين النظر بالعبرة والغض عن الشهوات). فالواجب على المؤمن أن يغض بصره ويتجنب النظرة الحرام ويبتعد عما يسخط الله تعالى كي يحافظ على سلامة بصره وبصيرته. ومن الأمور الأُخرى الواجب تزكيتها هو الظفر، وزكاته العفو، ففي حديث عن الإمام علي أنه قال: (العفو زكاة الظفر) فمن يظفر بمن هو أضعف منه ممن تجاوز على حقوقه مثلاً إن أراد أن يُزكي هذا الظفر والقدرة، فعليه أن يؤدي حقه بالعفو والتجاوز والصفح عن الأخرين (فظفر الكرام عفو واحسان وظفر اللئام تجبر وطغيان) لأن الكريم إذا ظفر بشيء عفا، اما اللئيم إذا ظفر تجبر وتغطرس وطغى. والجاه أيضاً يجب تزكيته بالشفاعة، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (الشفاعة زكاة الجاه) والجاه هبة من الله (جل وعلا) امتن بها على صاحبها ليقوم بخدمة العباد فيما هو صالح لهم في معاشهم ومعادهم، فبها يستطيع صاحب الجاه أن يفعل الخيرات ويكتسب المكرمات (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها) وللنعم عموماً زكاة أيضاً، فعن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: (زكاة النعم اصطناع المعروف) وقد قال (عليه السلام): (تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهله، فإن للجنة باباً يقال له المعروف، لا يدخله إلا من اصطنع المعروف في الحياة الدنيا فإن العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكّل اللَّه به ملكين، واحداً عن يمينه وآخر عن شماله، يستغفران له ربّه ويدعوان بقضاء حاجته) فهنيئاً لمن زكا نعم الله الظاهرية والباطنية وصانها من آفاتها وحافظ عليها من الزوال (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها).
اخرى
زيارةُ القبورِ طاعةٌ لله لا شركٌ به (3)
بقلم: رضا الله غايتي المبحث الثاني التوحيد الوهابي ومنشأ التكفير. المطلب الأول التوحيد وأنواعه وفقًا للرؤية الوهابية ومناشئ التكفير المترتبة عليها أولًا: التوحيد وأنواعه وفقًا للرؤية الوهابية *تعريف التوحيد وفقًا للرؤية الوهابية عرّف محمد بن الوهاب التوحيد قائلًا: "اعلمْ رحمك الله أنّ التوحيد هو: إفرادُ الله بالعبادة، وهو دينُ الرسل، الذي أرسلهم الله به إلى عباده، فأولهم نوح (عليه السلام) أرسله الله إلى قومه، لما غلوا في الصالحين: ودٍّ وسواعٍ ويغوثَ ويعوقَ ونسرٍ، وآخر الرسل محمد (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، وهو الذي كسّر صور هؤلاء الصالحين، أرسله إلى قومٍ يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا، ولكنّهم يجعلون بعض المخلوقات وسائطَ بينهم وبين الله"(1) *أنواع التوحيد وفقًا للرؤية الوهابية وأما أنواعُ التوحيد فقد تطرّق إليها بقوله: "وأما التوحيدُ فهو ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. أما توحيد الربوبية: فهو الذي أقرَّ به الكفار على زمن رسول الله (صلى الله عليه [وآله]وسلم) ولم يُدخلهم في الإسلام وقاتلهم رسول الله (صلى الله عليه [وآله]وسلم) واستحلَّ دماءهم وأموالهم. وهو توحيد بفعله (تعالى)، والدليل قوله (تعالى): "قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ"، "قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ".... الأصل الثاني: وهو توحيدُ الألوهية، فهو الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه، وهو توحيدُ الله بأفعالِ العباد، كالدعاء، والنذر، والنحر، والرجاء، والخوف، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والإنابة. ودليل الدعاء قوله (تعالى): "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" ................... . وأما النوع الثالث : فهو توحيدٌ الذات والأسماء والصفات، وقال (تعالى): "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ"(2) *تعريف العبادة وفقًا للرؤية الوهابية: ولتوقف تعرُّفِنا على الفهم الوهابي للتوحيد على التعرف على مفهومهم للعبادة، فضلًا عن أهمية التعرفِ على مفهومهم لها بحدِّ ذاته في البحثِ بشكلٍ عام، كان لا بُدّ من التعرفِ إلى أبرزِ كلماتِهم في العبادة. عرّف ابن تيمية العبادة قائلًا: "اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة"(3) وقال صالح ابن فوزان شارحًا لتعريف ابن تيمية: "العبادةُ هي فعلُ ما شرّعه الله (سبحانه وتعالى)، الصلاة عبادة، والصوم عبادة، والحجُّ عبادة، وصلةُ الأرحام عبادة، والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر عبادة، والإحسانُ إلى اليتيم عبادة إلى آخره، كلّ ما شرّعه الله فهو عبادة"(4). ثانيًا: مناشئ التكفير الوهابي للمسلمين يبدو الاضطراب واضحًا في الفهم الوهابي للتوحيد من خلال كلماتِ علمائهم المذكورة آنفًا، ويمكنُ توضيحُ ذلك من خلال النقاط الآتية: أولاً : عرّفوا التوحيد بالاقتصارِ على التوحيد في العبادة، على حين أنَّ التوحيدَ لابُدّ أنْ يكونَ أيضًا في الربوبيةِ والألوهيةِ والصفات والذات ...ألخ. وهو إلى هُنا وإنْ كان يُشكِّلُ خللًا في فهمهم للتوحيد القرآني، بيدَ أنّه لا يُشكل منشأً لتكفيرِ المسلمين لو أنّهم عرّفوا العبادةَ بمفهومها القرآني، وحدّوها بالحدِّ المنطقي الصحيح، ولكنّهم لم يفعلوا ذلك، بل عرّفوها بالأعم -كما سيأتي لاحقًا- مما أدّى إلى دخولِ ما ليس من العبادة في حدِّها، الأمر الذي أنتج عنه كثرة المصاديق التي بسببها كفّر الوهابيةُ المسلمين. ومن هنا كان تعريفهم للتوحيد بالاقتصارِ على العبادةِ، مع سوءِ فهمهم لحقيقتها أحدَ أهمِّ مناشئ تكفير المسلمين. ثانيًا: قطعوا بأنَّ الكفار في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانوا موحدين توحيدًا ربوبيًا، إلا أنّ ذلك التوحيد لم يُدخلهم الإسلام لشركهم في الألوهية، وقد فاتهم أنَّ الكفار يومئذٍ لم يكونوا يُميزون بين نوعي التوحيد، كما أنَّ قطعهم هذا باطلٌ جملةً وتفصيلًا وذلك للأسبابِ الآتية: 1/ خاطبَ القرآنُ الكريم المشركين بأنّهم اتخذوا من دونِ الله (تعالى) أربابًا، كما في قوله (عزّ من قائل): "وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا"(5)، و "وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ"(6). وعليه، فشركُ المشركين الربوبي واضحٌ جدًا لا ريبَ فيه. 2/ يعتقدُ المشركون أنَّ للآلهةِ التي يعبدونها تأثيرًا استقلاليًا في شؤونِ الكونِ أو في بعضها، ومن ثم فهم يعتقدون أنَّ لها قدرةً ذاتيةً على النفع والضر. وقد صرّحت بذلك العديد من الآيات منها قوله (تعالى): "وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا"(7)، وقوله (عز وجل): "وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ"(8)، وقوله (تعالى): "فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ"(9)، وقال (تعالى): "أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ"(10). 3/ يعتقدُ المشركون بشراكةِ الآلهةِ للهِ (سبحانه وتعالى) في المُلكِ وفي النُصرةِ الذاتية المستقلة عنه (جلّ وعلا)، قال (عزّ من قائل): "وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا"(11). كما يعتقدون بشراكتِها له (عز وجل) في تدبيرِ السمواتِ والأرض، كما في قوله (تعالى): " قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ"(12) وهل الاعتقادُ بشراكةِ الآلهة لله (سبحانه وتعالى) في الملكِ وفي النصرةِ الذاتية وفي تدبيرِ السموات والأرض إلا الشرك الربوبي؟! 4/ قال (تبارك وتعالى): " فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ "(13)، و "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ"(14) والند: هو الشبيه أو المثيل، أي بمعنى (الكفؤ) في سورة التوحيد. وعليه، فإنَّ الكفار الذين في زمن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) يرون أنَّ آلهتهم مساوية لله (سبحانه وتعالى) في قدراته، ومن أبرز قدراته (جل جلاله) الخلق والتدبير والرزق وغيرها وكلها أمورٌ من شأن الرب. وعليه، فهم لم يوحدوه توحيدًا ربوبيًا كما ادّعت الوهابية. 5/ بل إنَّ الكفار في زمنِ الرسول (صلى الله عليه وآله) كانوا يعدّون آلهتهم أولياءً من دون الله (سبحانه وتعالى)، قال (تعالى): "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ"(15)، و"قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ "(16). و(الولاء والتوالي: أنْ يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويُستعار ذلك للقربِ من حيثُ المكان، ومن حيثُ النسبة، ومن حيثُ الدين، ومن حيثُ الصداقة والنصرة والاعتقاد. والوَلاية النُصرة، والوِلاية: تولّي الأمر)(17) وعليه، فسواء كان مقصود الكفار من اتخاذ الآلهة أولياءً من دون الله (تعالى) أنَّ الآلهة أنصارٌ لهم أو متولون لأمرهم، فهو شركٌ ربوبي بلا أدنى شك. ومن الجدير بالذكر، أنّ المنهيَّ عنه في تولّي الغير هو اتخاذُه ناصرًا بالاستقلال عن اللهِ (جلّ جلاله)، وإلّا لم يكنْ منهيًا عنه ومن بابٍ أولى فهو ليس بشرك. بل إنَّ الله (جلّ شأنه) قد دعا إلى ولاية غيره –بشروط- في كتابه الكريم، كما في قوله (عز من قائل): "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"(18) وقد أغمض الوهابيون أعينهم عن هذه الحقيقة الواضحة ليؤسسوا قاعدةً في تكفير كلِّ من يتخذ غير الله (تعالى) وليًا، وإنْ كان معتقدًا كلَّ الاعتقادِ بأنَّ ذلك الوليّ لا ينصره إلا بإذنِ الله (تعالى) وعونِه. 6/ إنَّ القرآن الكريم يُصرِّح باعتقاد الكفار أنَّ آلهتهم تضرُّ وتنفع، كما في قوله (تعالى): "أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ"(19)، إذ لو لم يكونوا يعتقدون بذلك الاعتقاد لما خوّفوا النبي (صلى الله عليه وآله) بها. ولا يعدُّ القرآن الكريم كلَّ نسبةِ نفعٍ أو إضرارٍ إلى من سوى الله (تعالى) من الشرك به (سبحانه)، فهناك مثل هذه النسبة لم يذكرها القرآن الكريم بذمٍ؛ وذلك لأنَّ الاعتقاد بها هي ضمن دائرة الإذن الإلهي. ومن أجلى مصاديقها الأعمالُ التي نسبها إلى النبي عيسى (عليه السلام) في قوله (تعالى): "أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ "(20). وعليه، فإنَّ الاعتقاد بأنَّ موجودًا ما يضر وينفع بإذن الله (تعالى) ليس من الشرك بشيء في المفهوم القرآني. بيدَ أنَّ الوهابيين قد أساؤوا –أو تعمدوا عدم- فهم ذلك، - وقد اعتدنا منهم أن يسيؤوا فهم أو يجهلوا ما يحلو لهم - فوضعوا كلَّ من ينسبُ نفعًا أو ضرًا إلى موجودٍ ما في خانةِ الشرك، وإنْ كان يعتقد بأنّه لا يضرُّ ولا ينفعُ إلا بإذنِ الله (تعالى)، بل وإنْ صرّح بذلك لهم أيضًا، وهذا أحد مناشئ التكفير أيضًا. 7/ ومن المعتقدات الضالّة للكفار إمكانيةُ آلهتهم على النفعِ والضرِ بالتوسطِ علاوةً على إمكانيتهم ذلك بصورةٍ مستقلة كما تقدّم في اتخاذهم أنصارًا. ويتجلى اعتقادُهم هذا في اتخاذهم شفعاءَ، قال (تعالى): "أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43)"(21) فتمسكوا بهذه الآية وسواها ممن تحدثت عن توسيط المشركين آلهتهم لأجل الشفاعة عند الله (تعالى)، وعمّموا الذمَّ على كلِّ طلبٍ للشفاعة، بل وقالوا بالنهي عنه، وإنْ كان طلب الشفاعة من خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله) نفسه! متناسين العديد من الآيات التي جوّزت الشفاعة ممن أذنَ الله (تعالى) له، منها قولُه (عزَّ من قائل): "مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ "(22) وفي مسألةِ الشفاعة تفصيلٌ يأتي لاحقًا بعون الله (تعالى). وقد فتح عدمُ فهمهم موقفَ القرآن الكريم من الشفاعة بابًا آخر لاتهام المسلمين بالشرك كما سيأتي.. ولمناشئ التكفير تتمة تأتي لاحقًا إن شاء الله (تعالى).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) كشف الشبهات ص14 (2) مجموعة التوحيد ص7و8 (3) مجموعة الفتاوى ج10ص91 (4) إعانة المستفيد ج1 ص39-40 (5) آل عمران 80 (6) آل عمران64 (7) مريم 81 (8) يس 74 (9) هود 101 (10) الأنبياء 43 (11) الإسراء 111 (12) فاطر 40 (13) البقرة 22 (14) فصلت 9 (15) الزمر 3 (16) الرعد 16 (17) المفردات للراغب ص533 (18) التوبة 71 (19) الزمر 36 (20) آل عمران 49 (21) الزمر 43 (22) البقرة255
اخرىالتعليقات
حنان الزيرجاوي
منذ 7 سنوات
شكرا لكم وبعون الله نتطور اكثر في كتاباتنا المقبله بشكل افضل ومفيد
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى
طالب علم
منذ 7 سنوات
البحث مفيد ويحتاج الى تلخيص على شكل نقاط لتتم الاستفادة منه بشكل واقعي